\

ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

مجزرة مخيم البريج

 

المقدمة

ارتبط تاريخ الاحتلال الصهيوني لفلسطين منذ بدايته بارتكاب المجازر وأبشع الممارسات التي تنتهك حقوق الشعب الفلسطيني، وتحديداً حقه في الوجود على أرضة وحقه في الحياة الكريمة، فلم يكتفي الصهاينة بتشريد أبناء الشعب الفلسطيني من وطنهم ودفعهم إلى مخيمات اللجوء، بل طاردوهم بحقدهم ونيرانهم ليتواصل مسلسل القتل والتشريد بحق العزل من النساء والأطفال والشيوخ من أبناء الشعب الفلسطيني، وما مجزرة مخيم البريج إلا نموذج لهذه العنجهية الصهيونية كما سيتضح في سياق الحديث أدناه، على الرغم من شح المعلومات عن هذه المجزرة، حيث أن المجازر بصورة عامة عادة ما تتصف بالسرية إلا في النادر أو القليل منها، ولأن المجازر عادة بلا وثائق أو مستندات إلا ما يُعلَن أو يُسرَب عن طريق منفذي المجزرة، أو شهادات بعض الشهود وهي غالباً ما تكون نادرة ومحدودة .

تعريف المجزرة

لا يوجد تعريف واحد متفق عليه للمجزرة، لكن التعريف اللغوي الأكثر انتشاراً لها يعرفها على أنها القتل الوحشي أو الذي لا يميز في استهدافه، وعليه فإن هذا التعريف لا يحدد المجزرة بعدد القتلى أو الضحايا، كما يمكن القول أن المجزرة هي الفعل الذي ينتهك قدسية الحياة البشرية، بطريقة القتل، بغض النظر عن هوية الضحية .

نبذة عن مخيم البريج

مخيم البريج هو أحد مخيمات اللجوء الفلسطينية، أنشئ عام 1952م إلى الجنوب من مدينة غزة، يحده من الشرق ما يعرف بخط الهدنة والخط الأخضر ومن الغرب مخيم النصيرات ومن الشمال وادي غزة ومن الجنوب مخيم المغازي، أقامته وكالة الغوث على أنقاض معسكر للجيش البريطاني، وفي البداية أقامة الوكالة الوحدات السكنية الأولية من الطوب والقرميد والصفيح، ومع ازدياد النمو السكاني أخذ المخيم بالتوسع، أما سبب تسميته بهذا الاسم فيرجع إلى برج كان يقع بجوار المخيم .

وقائع المجزرة

ليلة نام فيها أهالي المخيم على ضوء القمر يحلمون بالعودة إلى أرضهم التي هُجِّروا منها بغير وجه حق، بعضهم كان ما زال يحتفظ بمفاتيح منزله والكثير من الذكريات, حتى جاءت هذه الليلة لتزيد من بؤسهم وشقائهم وليشعروا بالوحدة القاتلة في عالم غريب لم يحرك ساكناً لاقتلاعهم وتشريدهم ولاحقا لذبحهم .

بدأت الجريمة ليلة 28/8/1953م حيث تسللت وحدة كوماندوز صهيونية عبر ما يعرف بخط الهدنة إلى مخيم البريج عن طريق وادي غزة المجاور وهناك انقسمت الوحدة إلى ثلاث مجموعات ودخلوا المخيم من ثلاثة أماكن مختلفة التقت جميعها عند منطقة "الحمام" حيث نفذوا مجزرتهم بقربها.

كان يعيش على مشارف المخيم ما يقارب 20-30 خيمة جميعهم من اللاجئين الفقراء .

يقول أحد سكان المخيم: عند الساعة التاسعة والنصف تقريباً من مساء تلك الليلة سمعت أصوات لهاث بالقرب من الخيمة أصغيت السمع لأعرف مصدر هذه الأصوات حتى انطلق عيار ناري شق صمت الخيام فصرخت يهود ... يهود, وهربنا باتجاه المخيم، هذه الطلقة أنقذت الكثيرين ممن تنبهوا للهجوم وتمكنوا من الفرار، وبقي في المخيم الضعفاء من الأطفال والشيوخ والنساء .

أطلق المهاجمون النار والقنابل اليدوية والمولوتوف فقتلوا العديد ممن لم يتمكنوا من مغادرة المخيم من الأطفال والنساء والشيوخ، بعد أن أحكموا قبضتهم على المنطقة المستهدفة وأعملوا في الناس القتل والذبح وخاصة في منطقة الحمام، وقد ذهب ضحيتها في ذلك الوقت ما يقارب 55 شهيداً وعشرات الجرحى, كان في كل متر من ساحة الحمام شهيد أو جريح.

وبعد نصف ساعة انسحب المهاجمون وفروا عائدين من حيث أتوا بعد أن تركوا بحيرة من الدماء، ليعود من تركوا المخيم فيجدوا الدماء والشهداء والأشلاء وقد تناثرت في كل مكان، بالإضافة إلى عشرات الجرحى الذين ينزفون في المكان، ويستمعوا لروايات من كُتبة لهم الحياة من أمهات قتل المهاجمون أبناءهن أمام عيونهم أو أطفال رأوا آباءهم وإخوانهم وهم يعدمون بدم بارد أما عيونهم .

كانت مأساة كبيرة لأهالي مخيم البريج وفي الصباح جاء اللواء دانش قائد القوات المصرية في سيناء والدكتور بهاء الدين النمري لتشريح الجثث فرفض أهل المخيم وتم دفن الشهداء في جنازة متواضعة.

كانت ليلة فظيعة لم تشرق الشمس فيها إلا والعديد من أهالي المخيم قد ذبحوا وقتلوا بدم بارد،

هذه المجزرة لم تكن الأولى بل سبقتها مجزرة أخرى ضد المخيم في نفس العام حيث كانت عصابات اليهود تتسلل إلى بيوت المخيم وتقتل العديد من الناس وهم نائمون.

المشهد الدموي كما رسمه أحد النجاه في مذكراته

جاء في مذكرات "مائير هار صهيون" التي أوردها الكاتب الفلسطيني عودة محمد عياش في كتابه "سنوات الغليان" يقول أحد القتلة واصفاً ما حدث في تلك الليلة: " كان مجرى النهر العريض الجاف يلمع في ضوء القمر حين تقدمنا بحذر في سطح الجبل ويمكن رؤية عدة بيوت من بعيد وسمعنا صوت موسيقى عربية تنبعث من البيوت الغارقة في الظلام، انقسمنا لثلاث مجموعات كل منها أربعة رجال, مجموعتان شقتا طريقهما إلى المخيم الواسع إلى الجنوب من موقعنا, والمجموعة الثالثة تقدمت نحو البيوت المنفردة في المنطقة المفتوحة شمال وادي غزة، تقدمنا للأمام ندوس على الحقول الخضراء ونقطع قنوات الماء بينما القمر يرافقنا بضوئه المتألق, على كل حال قريباً سيمزق السكون بالطلقات والانفجارات وعويل أولئك الذين هم الآن نائمون بسلام، تقدمنا بسرعة ودخلنا البيوت -من هذا- قفزنا باتجاه الأصوات كان هناك اثنان من العرب يقفان مقابل جدار البناية خائفان مرتجفان يحاولان الهرب، فتحت النار وصيحة تصم الآذان تملا الجو, سقط أحد الرجلين على الأرض بينما الأخر استمر في الهرب, الآن علينا أن نتصرف ليس لدينا وقت لإضاعته، شققنا طريقنا من بيت إلى بيت بينما العرب يتدافعون هاربين بفوضى، البنادق الرشاشة تقعقع وأصواتها تمتزج مع العويل المخيف وصلنا إلى السوق الرئيسي للمخيم وتزداد أعداد اللاجئين الهاربين, المجموعة الأخرى تهاجم من الاتجاه المقابل وصدى انفجار القنابل اليدوية يسمع من بعيد، لاحظت شبح رجل يقطع الصمت عبأت بندقيتي, زميلي جبيلى يزحف نحوه -هات بربك سكين- فككت سكيني من غمده وزحفنا نحو الجسم المعزول عندما بدأ يغنى مرتعشاً لحناً عربياً، الآن سيتحول الغناء إلى نواح الموت أنا أرتعد كل عضلة بجسمي متوترة هذه أول تجربة لي من هذا النوع من السلاح "السكين" على كل سأكون قادراً على فعلها، اقتربنا أكثر هاهو يقف على عدة أمتار منا قفز "جبيلى" وأمسكه وأنا غرزت السكين عميقاً في جسمه، سال الدم على قميصه المخطط ودون أن أضيع لحظة طعنته مرة ثانية جسمه يتأوه يقاوم ثم يهدأ ويسكن .

ويبقى الجرح نازفا

الذكرى المؤلمة لا تفارق من عاشها من أهالي المخيم :

ما زالت الليلة الدموية التي ارتكبت فيها قوات الاحتلال مجزرة بحق أبناء مخيم البريج لا تغيب عن ذهن أهالي المخيم وخاصة كبار السن منهم الذين يحملون ذكريات خاصة مؤلمة عنها و التي مرت طويلة وكئيبة وفقدوا فيها 55 شهيداً بين طفل وامرأة وشاب .

الذكرى مازالت ماثلة في أذهانهم يتناقلونها بصمت من جيل إلى جيل, ومع أن القلة تحدثت عن هذه الليلة الموحشة إلا أن جراحهم ما زالت مفتوحة على مصراعيها.

ردود فعل :

في الصباح وبعد أن عرف باقي سكان المخيم بالحادثة اندلعت مظاهرات صاخبة وطالبت الجماهير بالسلاح لتدافع عن نفسها وتحمى المخيم .

وفي الختام :

ما يزال صمت العالم يغلف المشهد، والقاتل مسترسل في الجريمة، والمكان ثابت، أما التاريخ فيتفرج، مضى عليه أكثر من ستين عاماً لم تختلف فيها إلا تقنيات تنفيذ الجرائم، وتقنيات نقل المشاهد والصور .

ملخص المجزرة :

اسم المجزرة : مجزرة مخيم البريج 1953م

تاريخ المجـزرة: ليلة 28 أغسطس 1953 م

مكان المجــزرة.: مخيم البريج وسط القطاع تحديداً جنوب شرق مدينة غزة

العصابة الصهيونية التي نفذت المجزرة: الوحدة 101 الصهيونية بقيادة المجرم أرئيل شارون .

ضحايا المجزرة: بلغ عدد الشهداء 20 شهيداً والجرحى 62 جريح بحسب اعترافات العدو الصهيوني