\

ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

مجزرة الطنطورة

 

مقدمة

تشكل نكبة فلسطين المحطة الأبرز في تاريخ الشعب الفلسطيني تم خلالها تدمير بنيته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتم تحويل أبنائه إلى لاجئين مبعثرين في أصقاع الأرض.

ففي العام 1948، تم تدمير 531 قرية ومدينة فلسطينية وتم تهجير أكثر من 800000 فلسطيني من بيوتهم و ممتلكاتهم، شكلوا حينئذ أكثر من نصف المجتمع الفلسطيني في أرضه التاريخية، وقامت دولة الكيان الصهيوني على أنقاض الشعب الفلسطيني حيث سيطرت على نحو 78% من مساحة فلسطين التاريخيةفيما ضمت الضفة الغربية لاحقا إلى المملكة الأردنية الهاشمية ووقع قطاع غزة تحت السيطرة المصرية.

وتشكل نكبة فلسطين ليس فقط انعكاس لضخامة التطهير العرقي الذي ألم بالفلسطينيين ولكن انتهاك صارخ لحقوقهم السياسية والإنسانية والفردية وخصوصا حقهم في العودة إلى ديارهم الأصلية التي هجروا منها وحقهم في تقرير المصير.

وكان المؤرخ اللبناني "قسطنطين زريق" اول من استعمل مصطلح النكبة لوصف أحداث 1948، وذلك في كتابه "معنى النكبة"، الصادر في آب 1948. وهو الاسم الذي يطلقه الفلسطينيون على تهجيرهم وهدم معظم معالم مجتمعهم أضيف اسم النكبة لاحقا إلى العديد من القواميس الأجنبية للإشارة إلى هذه الحادث.

مجزرة الطنطورة جنوب مدينة حيفا

وقعت مجزرة الطنطورة (22-23 أيار/ مايو1948) التي راح ضحيتها نحو 200 شخص، وتم الكشف عنها مؤخراً (سنة 2000) على يد الباحث الإسرائيلي "تيودور كاتس"، وقد أثيرت ضجة إعلامية هائلة إثر الكشف عنها (صحيفة معاريف الإسرائيلية 21/1/2000). حيث قامت المنظمات الصهيونية المسلحة بهدم القرية وتشريد أهلها البالغ عددهم عام 1948 حوالي 1728 نسمة ، وعلي أنقاضها أقيمت مستعمرة نحشوليم عام 1948 ومستعمرة دور عام 1949.

الطنطورة

الطنطورة قرية فلسطينية تقع إلي الجنوب من مدينة حيفا، وتبعد عنها 24 كم وترتفع 25 كم عن سطح البحر، وتقوم القرية علي بقايا قرية (دور) الكنعانية وتعني المسكن. وتبلغ مساحة أراضيها 14520 دونما وتحيط بها قري كفر لام والفريديس وعين غزال و جسر الزرقاء وكبارة. قدر عدد سكانها سنة 1929 حوالي 750 نسمة وفي عام 1945 حوالي 1490 نسمة.

المجزرة

أكد عدد من المؤرخين العرب واليهود أن مجزرة الطنطورة تعتبر أبشع المجازر التي ارتكبتها الصهيونية في فلسطين والبالغة نحو ثمانين مجزرة. كانت وحدة ألكسندر وني في الجيش الإسرائيلي قد اقترفت المجزرة بحق أهالي قرية الطنطورة قضاء حيفا غداة احتلالها ، وقامت بتهجير السكان للضفة الغربية والأردن وسوريا والعراق.

ويشير المؤرخ مصطفى كبها إلى أن الجيش الإسرائيلي اختار الهجوم على قرية الطنطورة -التي بلغ عدد سكانها 1500 نسمة - كونها الخاصرة الأضعف ضمن المنطقة الجنوبية لحيفا، بسبب موقعها على ساحل البحر المتوسط ولكونها سهلة الاحتلال بعكس سائر القرى المجاورة على قمم جبل الكرمل.

وفي المقابل أكد المؤرخ الإسرائيلي تيدي كاتس -الذي تعرض لدعوى تشهير من قبل وحدة ألكسندر وني بعد كشفه عن ملابسات المجزرة في الطنطورة بدراسة ماجستير في جامعة حيفا عام 1998- أن الشهادات التي حاز عليها تشير لسقوط 230 فلسطيني في المجزرة.

وأوضح كاتس -الذي سحبت جامعة حيفا اعترافها برسالته الأكاديمية بعد الضجة الإعلامية التي أثارها الكشف عنها وقتذاك - أن موتي سوكلر حارس الحقول اليهودي في تلك الفترة قد كلف من الجيش الإسرائيلي بتولي دفن الموتى موضحا أنه كان قد أحصى الضحايا بعد قتلهم على شاطئ البحر وداخل المقبرة.

وتعتبر خطورة مجزرة الطنطورة واختلافها عن سائر المذابح في فلسطين لا يعود فقط لحجم ضحاياها بل لارتكابها على يد جيش إسرائيل بعد أسبوع من إعلان قيام دولة إسرائيل.

وأنها وقعت بعد نحو شهر من مجزرة دير ياسين استهدفت تحقيق الهدف الصهيوني المركزي المتمثل بتطهير البلاد عرقيا بقوة السلاح وترهيب المدنيين وتهجيرهم.

شهادات أحد الناجيين من المجزرة

ويؤكد الحاج فوزي محمود أحمد طنجي، أحد الناجين من المجزرة والمقيم حاليا في مخيم طولكرم أن قشعريرة تجتاحه كلما يتذكر كيف ذبح أبناء عائلته وأصدقاؤه أمام ناظريه. وروى طنجي، الذي دخل عقده الثامن، أن أبناء القرية دافعوا بشرف عنها منذ منتصف الليل حتى نفذت ذخيرتهم في الصباح.

وروى طنجي أن الجيش فصل بين الرجال ممن أجبروا على الركوع وبين النساء والأطفال والشيوخ، مشيرا إلى أن أحد الجنود حاول الاعتداء على فتاة من عائلة الجابي، فنهض أبوها لنجدتها فقتلوه طعنا بالحراب، بينما واصل الجنود تفتيش النساء وسرقة ما لديهن من حلي ومجوهرات.

ويستذكر طنجي أنه في الطريق للبيت بحثا عن السلاح أطلق الجنود المرافقون له النار على سليم أبو الشكر (75 عاما).

وقال "عندما وصلنا البيت كان الباب مقفلا، والدماء تسيل من تحت الباب، فخلت أنهم قتلوا أمي فدخلت ودموعي على خدي فوجدت كلبي مقتولا، ولم أجد أمي فقلت لهم لا أعلم أين أخفت أمي السلاح، فدفعني أحد الجنود وأرجعوني نحو الشاطئ وفي الطريق أطلقوا الرصاص على السيدتين عزة الحاج ووضحه الحاج".

ويؤكد الناجي من المجزرة أن الجنود صفوا ما يتراوح بين عشرين وثلاثين شابا بالقرب من بيت آل اليحيى على شاطئ البحر وقتلوهم، ويوضح كيف أمروه وآخرين بحفر خندق بطول أربعين مترا، وبعرض ثلاثة أمتار، وعلى عمق متر واحد، ثم بدؤوا بأخذ ما بين ثمان وعشر رجال لنقل الجثث ورميها بالخندق وعندما حاول فيصل أبو هنا، مقاومتهم، قتلوه بحراب البنادق وقال "لو عشت ألف سنة لن أنسى ملامح وجوه الجنود فقد بدوا لي كهيئة الموت، وأنا أنتظر دوري متيقنا أنها لحظاتي الأخيرة".

القرية اليوم

لم يبق من القرية إلا مقام وقلعة وبئر قديمة وبضعة منازل. أحد المنازل الباقية ( منزل آل اليحيى) بني في سنة 1882. مثلما يتبين من نقش ظاهر عليه. وينتشر كثير من شجر النخيل وبعض نبات الصبار في أنحاء الموقع. الذي تحول إلى منتزه إسرائيلي يضم بعض المسابح.