ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد


صلاح خلف "أبو إياد"


ولد صلاح خلف في يافا في 31/8/1933، وكان والده القادم أصلا من غزة موظفا متوسطا في السجل العقاري في المدينة.



والتحق الطفل (آنذاك) بإحدى المدارس الابتدائية لتلقي التعليم الذي كان والده حريصا على توفيره لأبنائه مثل سائر الآباء الفلسطينيين.



وفي تلك الفترة تعرف التلميذ صلاح خلف على طبيعة الصراع بين العرب واليهود من خلال احتكاكه بأبناء (المعسكر الآخر). والتحق بأشبال النجادة وهو فتى يانع، وكانت منظمة النجادة في ذلك الوقت تنظيما يسعى لمقاومة تهويد فلسطين، ويدرب أعضاءه باستخدام البنادق الخشبية نظرا لندرة السلاح.



وفي تشرين الأول عام 1945، جرب الفتى صلاح خلف الاعتقال لأول مرة، عندما داهمت شرطة الانتداب منزل أسرته وأصرت على اعتقاله بتهمة الاعتداء على تلميذ يهودي.

وكانت سنوات اللجوء إلى غزة من أكثر سِنِيِّ حداثته كآبة، رغم أنه لم يكن في عداد الأكثرين حرمانًا، توجه إلى القاهرة عام 1951م؛ ليتابع دراسته الجامعية وانتسب إلى دار العلوم، ثم حصل بعدها على دبلوم تربية وعلم نفس من جامعة عين شمس.



وجوده في القاهرة كان نقطة انطلاق لعملية النضال، حيث تعرف على ياسر عرفات الطالب في كلية الهندسة آنذاك، وبدأ ينمو توجه بين عدد من الطلبة – كان هو من بينهم - يدعو إلى ضرورة اعتماد الفلسطينيين على أنفسهم بعد أن فقدوا الثقة بالأنظمة العربية، فقرروا عام 1952م مباشرة هذه الفكرة بتقديم ترشيحهم إلى قيادة اتحاد الطلاب الفلسطينيين، وكان التشكيل الوحيد الذي يمثل قطاعًا ما من الرأي العام الفلسطيني، ونجحت لائحة "أنصار الاتحاد الطلابي"، وأثبت ذلك أن الطلاب يتطلعون – وبرغم معتقداتهم الإيديولوجية - إلى عمل وحدوي.

وبدأ التطور في عمل الطلبة الفلسطينيين بعد الغارة الإسرائيلية على غزة في عام 1955م، حيث نظموا المظاهرات والإضرابات عن الطعام، وكان من جملة مطالبهم إلغاء نظام التأشيرات بين غزة ومصر، وإقامة معسكرات تدريب إجبارية تتيح للفلسطينيين الدفاع عن أنفسهم ضد الهجمات الإسرائيلية، واستجاب الرئيس عبد الناصر لمطالبهم، وبدأت العلاقة تتوطد بين الطلبة والثورة المصرية، ونشط أبو إياد ورفاقه في تجنيد الكوادر وتوطيد هذه العلاقة، بعد أن أنهى أبو إياد دراسته في مصر عاد إلى غزة عام 1957م للتدريس، وبدأ عمله السري في تجنيد مجموعات من المناضلين وتنظيمهم في غزة.

وعلى الطرف الآخر في الكويت كان أبو عَمَّار يعمل هناك مهندسًا وينشط في تجنيد المجموعات الفلسطينية. وانتقل أبو إياد إلى الكويت عام 1959م للعمل مدرسًا وكانت فرصة له هو ورفاقه؛ لتوحيد جهودهم لإنشاء حركة "فتح" وعزم مؤسسو "فتح" على التصدي لكل محاولة لإخضاع الحركة لإشراف أية حكومة عربية، لما في ذلك من عقبات قد تثنيهم أو تُبَطِّئ بهم السير نحو هدفهم، وبدءوا بعرض مبادئهم أمام الجماهير الواسعة بواسطة مجلة "فلسطيننا"، وأسسوا جهازين: أحدهما عسكري، والآخر سياسي في الفترة ما بين 1959م –1964م.


وعندما ظهرت منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة الشقيري اكتشفت "فتح" خطورة هذه المنظمة التي تشرف فيها الأنظمة العربية على الحركة الوطنية الفلسطينية، وحاول ياسر عرفات وصلاح خلف الاتصال بالشقيري؛ لإقناعه بالتنسيق السري بين نشاطاته العلنية وبين عمل يخوضونه بصورة سرية وكان موقف الشقيري سلبيًّا، ومع ذلك ارتأى عرفات وصلاح خلف أن المشاركة في هذه المنظمة ستجعلهم فاعلين في الحياة السياسية وسيفيدون من مَقْدراتها وإمكانياتها، فانخرط فدائيو "فتح" في جيش التحرير  تحت إشراف المنظمة .     


شكلت هزيمة العرب في حرب عام 1967م نقطة انطلاق جديد لحركة فتح، فأقيمت قواعد على طول نهر الأردن، وآزرهم في ذلك السكان المحليون والقوات الأردنية، وتُوِّج ذلك بانتصار معركة الكرامة.

بعد هذه المعركة كان صلاح خلف وراء إصدار بيان عن اللجنة المركزية لفتح يُعْلن تعيين عرفات ناطقًا باسم فتح وبالتالي باسم "العاصفة".

وفي عام 1969م استطاعت حركة فتح السيطرة على منظمة التحرير، وبالتالي آلت رئاسة المنظمة لعرفات وتم دمج الحركة الفدائية في منظمة التحرير، وبدأت المنظمة بتأمين مرتكزات دولية، وكان ذلك باتجاه إلى الدول الاشتراكية التي دعمت كفاح الشعب الفلسطيني بالمال والتدريب والدورات مثل كوبا وفيتنام.

وبدأ اسم أبو إياد يبرز عضوًا للجنة المركزية لفتح، ثم مفوّض جهاز الأمن في فتح، ثم تولّى قيادة الأجهزة الخاصة التابعة للمنظمة. ومنذ عام 1970م تعرَّض لأكثر من عملية اغتيال سواء من الإسرائيليين أم بعض الحركات الفلسطينية المُمَوَّلة من الأنظمة العربية.

وصلت العلاقات بين السلطات الأردنية والمقامة الفلسطينية حد الاشتباك المسلح وذلك في أيلول عام 1970م، واعتُقل صلاح خلف في هذه الأحداث في عمَّان مع عدد من رفاقه، ثم دُعِي إلى القصر الملكي في عَمَّان للقاء الوفد العربي الذي جاء إلى عمان للتوصل إلى وقف المعارك، وتم إخراجه من عمّان على نفس الطائرة التي أقلّت الوفد العربي إلى القاهرة؛ ليشرح للرئيس عبد الناصر الوضع في الأردن، وانتهت المقاومة الفلسطينية في الأردن صيف 1971م، ويُقِرُّ أبو إياد أنه بذلك قُلِبَت صفحة من تاريخنا بصورة نهائية.

 

كان صلاح خلف من القلة التي عرفت بعض الخفايا التي سبقت حرب أكتوبر 1973م ورافقتها وأعقبتها، حيث أسرَّ السادات له ولعدد من المقاومة الفلسطينية بذلك، طالبًا منهم أكبر عدد ممكن من الفدائيين للاشتراك معه في المعركة، وحضر أبو إياد إدارة غرفة عمليات المعركة مع السادات، وبعد هذه المعركة تبنَّى صلاح خلف مشروع إقامة الدولة على جزء من فلسطين، وصولاً إلى إقامة دولة ديموقراطية على كامل فلسطين تضم الفلسطينيين والمسيحيين واليهود!، وعلى إثر هذا المشروع برزت جبهة الرفض الفلسطينية التي رفضت هذا المشروع.

كان لأبو إياد دور بارز في لبنان إبَّان الحرب الأهلية؛ فقد كان أحد قادة المقاومة المكلف بعملية المفاوضات المعقدة بين الفصائل اللبنانية من جهة، والفصائل اللبنانية والمقاومة الفلسطينية من جهة أخرى، وشارك في الإعداد لاتفاقية شتورا عام 1977م  وكان أبو إياد منذ ذلك الوقت وحتى استشهاده يوصف بأنه الرجل الثاني في فتح، وفي منظمة التحرير الفلسطينية.

وقد تفرغ أبو إياد للعمل النضالي من خلال حركة فتح وتسلم مواقع وأنجز مهمات صعبة في كل مواقع تواجد الثورة في القاهرة ودمشق وعمان وبيروت. فشارك في معركة الكرامة عام 1968، كما شارك في قيادة العمليات طيلة سنوات الحرب اللبنانية، وبقي في بيروت أثناء الحصار وغادرها مع المقاتلين عام 1982.

يشار إلى صلاح خلف غالبا بأنه كان وراء (منظمة أيلول الأسود) التي ضربت المصالح الإسرائيلية والمصالح الأمريكية في أرجاء العالم ولم تكن عملية ميونخ ضد الرياضيين الإسرائيليين الشهيرة إلا بداية لمثل هذا النمط من العمليات الذي أنكر أبو إياد علاقته بها  .

وخلال وجوده في قيادة فتح ، تسلم أبو إياد العديد من المؤسسات الحساسة ومنها رئاسته لجهاز الأمن الموحد للثورة الفلسطينية ( امن منظمة التحرير الفلسطينية)، ولذلك فقد تعرض للعديد من محاولات الاغتيال التي نجا منها بفضل يقظته ودرايته بهذه المحاولات، لكن رصاصات حمزة أبو زيد التي قتلته جاءت مفاجئة تماما، ومخالفة لكل التوقعات. فكيف تمت الجريمة ومن يقف وراءها؟.

جريمة  قرطاج ....

في الساعة الثالثة والعشرين من مساء يوم الاثنين الرابع عشر من كانون الثاني 1991، اغتيل في تونس ثلاثة من قادة حركة فتح هم: صلاح خلف (أبو إياد) أحد أبرز أعضاء لجنة فتح المركزية ومسؤول الأمن الموحد، هايل عبد الحميد (أبو الهول) عضو لجنة فتح المركزية المسؤول عن جهاز الأمن والمعلومات منذ عام 1972، والذي أصبح بعد اغتيال خليل الوزير (أبو جهاد) يتولى أيضاً مسؤولية شبكة الاتصالات والتنسيق مع المناطق المحتلة ومتابعة شؤون الانتفاضة، وفخري العمري (أبو محمد) أحد المساعدين المقربين لأبي إياد في جهاز الأمن الموحد، وذلك أثناء اجتماع كان يعقده الثلاثة في منزل هايل عبد الحميد في قرطاج إحدى ضواحي تونس العاصمة، حيث قام أحد مرافقي هايل عبد الحميد المدعو حمزة عبد الله أبو زيد بمهاجمة القادة الثلاثة وهم يجتمعون في إحدى غرف الطابق الأرضي من منزل هايل عبد الحميد، مستخدماً رشاش كلاشينكوف. وأشارت رواية أخرى إلى أن القاتل هاجم صلاح خلف وزميليه عند مدخل منزل أبي الهول، بعد خروجهم من الاجتماع، وتتفق أكثر من رواية على أن أبا أياد كان المستهدف أساساً من قبل الجاني، وإن هايل عبد الحميد قتل أثناء محاولته منع الجاني من إطلاق النار على أبي إياد والوقوف بين الاثنين، وأن أبا أياد لقي مصرعه على الفور بينما توفي هايل عبد الحميد بعد نقله إلى أحد المستشفيات. وفور تنفيذ جريمته سارع القاتل إلى الصعود للطابق العلوي من المنزل، حيث احتجز هناك زوجة هايل عبد الحميد (نادرة الشخشير) وابنته (سعاد) رهينتين، لمدة ست ساعات، قبل أن يستسلم لقوات الأمن التونسية التي كانت قد حاصرت المكان، وبعد إلقاء القبض على الجاني باشرت أجهزة الأمن التونسية التحقيق معه، بحضور ممثل عن جهاز (القضاء الثوري) في حركة فتح، ومن ثم قامت السلطات التونسية بتسليم القاتل إلى حركة فتح، التي نقلته من تونس إلى اليمن، حيث جرت، حسبما ذكرت إذاعة منتي كارلو بتاريخ 5/4/1991 محاكمته أمام محكمة عسكرية فلسطينية، حكمت عليه بالإعدام، ولكن الحكم لم ينفذ حتى التاريخ المذكور.

وعملية الاغتيال هذه تكاد تكون الوحيدة، من بين كل عمليات الاغتيال التي تعرض لها قادة فلسطينيون، التي كان فيها الجاني معروفا، ومن المفروض على هذا الأساس، أن يكون التحقيق قد كشف عن جميع ملابساتها ودوافعها وأسبابها والجهة التي تقف وراءها. لكن البيانات التي نشرت حول نتائج التحقيق كانت مختصرة، ولا تكشف سوى القليل، وفي إطار العموميات وحتى الآن لم ينشر تقرير كامل عن نتائج التحقيق، أو عن إجراءات محاكمة الجاني .