ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

موسى مونتيفيوري

من كل المعلومات التي استطعت جمعها اتضح لي أن الأرض المجاورة تبدو أنها صالحة علي الخصوص للاستغلال الزراعي فهنا أحراش من أشجار الزيتون يغلب علي ظني أنها تعود إلي خمسمائة عام وحقول كرم شاسعة وعدد كبير من الآبار كما توجد أشجار تين وحقول قمح وشعير غنية فهي في الحقيقة أرض يمكن أن تنتج أي شيء بكثرة في مقابل قليل من المهارة والعمل, إنني واثق من أنه لو نجح المشروع الذي أفكر فيه فإنه كفيل بتحقيق السعادة والرخاء للأرض المقدسة، وسأبدأ بأن أطلب من محمد علي منحى أرضاً لمدة خمسين عاماً ومائة أو مائتي قرية، وسأعطيه ربحاً يتراوح بين عشرة وعشرين في المائة، علي أن يكون دفع المبلغ بأجمعه سنويا في الإسكندرية بشرط أن تعفى الأرض والقرى التي ستمنح طول المدة من أية ضريبة يفرضها الباشا يقصد (محمد علي), أو حاكم المناطق التي ستمنح فيها الأرض، وبشرط أن أحصل علي حرية التصرف في المحصول في أية جهة من جهات العالم، فإذا حصلت علي المنحة فإنني سأستعين بالله بعد عودتي من إنجلترا وأنشئ شركة تتولى زراعة الأرض وتشجع أبناء ديننا في أوروبا علي العودة إلي فلسطين إن كثيرين من اليهود يهاجرون إلي ويلز الجنوبية الجديدة وكندا، ولكنهم يستطيعون في الأرض المقدسة أن يجدوا فرص النجاح المؤكد هنا سيجدون الآبار التي تم حفرها وأشجار الزيتون والكرم التي تم زرعها والأرض الخصبة التي لا يعوزها إلا القليل من السماد وإنني لآمل أن أوفق تدريجياً إلي إعادة آلاف من أبناء ديننا إلي أرض إسرائيل كما أنني واثق من أنهم سيكونون سعداء عندما يتبينون أن ديننا المقدس قد رعى بطريقة يستحيل تحقيقها في أوروبا".

كان هذا جزءاً من مذكرات أحد زعماء صهيون المجرم موسى مونتيفيوري "موشييه" عن فلسطين، التي كتبها في مفكرته يوم 24 مايو 1989، والذي يسجل التاريخ أنه صاحب أول عملية تنفيذ عملي لفكرة الاستعمار اليهودي في عام 1837 عندما أنشأ أول مستعمرة يهودية في أرض فلسطين، التي كانت إبان ذلك الوقت تحت حكم محمد علي، واستطاع مونتيفيوري أن يحصل علي ضمانات من الدولة العثمانية بالحماية والامتيازات، وذلك زوال حكم محمد علي في فلسطين.

وبسبب مونتيفيوري تضاعف عدد اليهود خلال سنوات قليلة في فلسطين، حيث قدر عددهم عام 1838 بنحو 1500 يهودي، ثم أصبح عددهم عام 1840 نحو عشرة ألاف يهودي، وازداد العدد في سنة 1860 إلي نحو 15 ألف يهودي، كما ازداد عام 1881 إلي نحو 22 ألف يهودي، وكانت تتركز غالبيتهم في القدس، حيث يرجع تاريخ أول محاولة استيطانية لهم سنة 1859، عندما أقيم أول مونتيفيوري الذي حصل علي فرمان عثماني عام 1855 بشراء الأرض وإقامة مستشفى عليها، وحولها عام 1859 إلي مساكن شعبية لليهود، أصبحت نواة الحي اليهودي في القدس خارج سور البلدة القديمة.

ومونتيفيوري ثري ومالي بريطاني يهودي، زعيم الجماعة اليهودية في إنجلترا ومن كبار المدافعين عن جرائم اليهود في إنجلترا والعالم.

ولد في بريطانيا لأسرة إنجليزية ذات أصول إيطالية سفاردية استقرت في إنجلترا في القرن الثامن عشر وبدأ كسمسار في بورصة لندن حيث حقق ثراءً سريعاً وقد ارتبط بعائلة روتشيلد المالية الثرية من خلال المصاهرة، الأمر الذي ساعده في مجال أعماله.

وقد كان مونتيفيوري من أوائل المشاركين في تأسيس البنوك الصناعية بالتعاون مع المؤسسة الإنجليزية الأميركية العاملة في مجال الماس والمال والتي اشترك في تأسيسها إرنست أوبنهايمر اليهودي الثري رجل الصناعة والمال في جنوب إفريقيا وقد حقق مونتيفيوري ثروة طائلة من خلال أعماله، وهو ما مكنه من اعتزال العمل عام 1824، وقد كان مونتيفيوري ثاني يهودي يتولى منصب عمدة لندن وأول يهودي يحصل علي لقب سير.

وكيهودي بريطاني ثري جداً امتلك عدة مصارف كان مونتيفيوري أحد كبار المتبرعين اليهود لدعم نشاطات وفعاليات يهودية وصهيونية وكزعيم لليهود في بريطانيا، التي شغل فيها منصب القاضي الأعلى، وكان أحد المقربين للبلاط الملكي البريطاني، حارب كثيراً من أجل تحقيق مصالح لليهود، وزيادة في تحسين أحوالهم في بريطانيا وخارجها حيث لبريطانيا تأثير ويعتبر مونتيفيوري أحد الداعمين لإقامة الاستيطان اليهودي في فلسطين .

وعرف عنه أنه قدم مساعدة مالية كبيرة إلي الحكومة البريطانية بعد أن اضطرت إلي دفع تعويضات لعمالها في المستعمرات التي كانت خاضعة لها ونالت تحريراً من العبودية بالنسبة للعمل والعمال.

وقد كرس مونتيفيوري جهوده بعد ذلك للقضايا المرتبطة بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوروبا والعالم الإسلامي، وقام بزيارة فلسطين سبع مرات، وقدم لمحمد علي باشا عام 1838 خطة لتوطين اليهود في فلسطين تتضمن توفي وضع متميز لليهود وقدر كبير من الاستقلال الذاتي وتنمية المشاريع الزراعية والصناعية في فلسطين حتى يحقق اليهود الاعتماد علي الذات وفي المقابل، اقترح مونتيفيوري تأسيس البنوك في المدن الرئيسية في المنطقة لتقدم التسهيلات الائتمانية للمنطقة بأكملها وقد ساهم مونتيفيوري في تأسيس بعض المستوطنات الزراعية في الجليل ويافا، وأسس أول حي يهودي خارج أسوار مدينة القدس القديمة، كما أسس بعض المشاريع الصناعية.

وقد التقى بمحمد علي مرة أخرى في القاهرة عام 1840 لبحث قضية دمشق، إلا أن مشاريعه في فلسطين تعثرت بعد خروج محمد علي من فلسطين تحت ضغط القوى العظمى في تلك الفترة، ومع ذلك نجح في إقناع السلطان العثماني بمنع الامتيازات التي كان يتمتع بها الأجانب لليهود في جميع أرجاء الإمبراطورية العثمانية، وهو ما ساهم بدون شك في تحويلهم إلي عنصر أجنبي منبت الصلة بالمنطقة وذي قابلية خاصة للتحول إلي جماعة وظيفية استيطانية.

وتعترف دائرة المعارف اليهودية طبعة 1905 الجزء العاشر صفحة 410 أن الكونت كاموند والذي كان مدير الأعمال البنوك في الحكومة العثمانية كان واسطة المليونير اليهودي مونتيفيوري، في تقديم الرشوة للباب العالي، وهكذا استطاعت قوة المال اليهودي أن تطمس الحق في هذه الجريمة كما فعلت في جرائم عديدة غيرها.

ويرى بعض المؤرخين أن مونتيفيوري هو أحد كبار زعماء صهيون، الذي جعلوا البريطانيين يبلورون فكرتهم في خلق كيان يهودي تابع لهم في فلسطين، في فترة حكم محمد علي وابنه إبراهيم باشا لمصر وبلاد الشام في الفترة ما بين 1831 - 1840.

وقد جاء ذلك من خلال قيام وزير خارجية بريطانيا – آنذاك – بلور بالمرستون برسم سياسة سميت بسياسة المحافظة علي سلامة الإمبراطورية العثمانية، وملخصها كان في أن مصلحة بريطانيا في بقاء إمبراطورية عثمانية ضعيفة، والحيلولة دون ترسخ دولة عربية قوية توحد المشرق العربي ومغربه بقيادة محمد علي وابنه إبراهيم.

وكان لابد لبريطانيا من إيجاد فئة تابعة لها في المنطقة تستخدمها في حال تعرض الإمبراطورية العثمانية إلي خطر الانهيار، وتنافس بها خصومها الفرنسيين والروس، حيث كانت لفرنسا أطماع في فلسطين تعود بداياتها إلي أيام نابليون بونابرت وتحديدا أثناء حملته علي مصر وفلسطين عامي 1798 - 1799، خاصة وأن فرنسا كانت تتمتع بحق حماية الكاثوليك في فلسطين وغيرها من المناطق الواقعة تحت حكم العثمانيين منذ عام 1535، أما روسيا فكانت منذ زمن كاترين الثانية قد انتزعت من العثمانيين بموجب معاهدة كجق فينارجه عام 1774 حق حماية الروم الأرثوذكس، ولم يكن لبريطانيا ميزة من هذا النوع وكان يزعجها جدا العلاقة القوية بين محمد علي والفرنسيين.

واقترحت فرنسا في عام 1838 علي لسان وزير خارجيتها غيزو تدويل فلسطين بمجملها أو القدس علي الأقل وهذا ما رفضه بشدة وزير خارجية بريطانيا بالمرستون خوفاً من توسع النفوذ الفرنسي في المنطقة وكان علي بريطانيا العمل بسرعة في ظل تراجع الإمبراطورية العثمانية واتساع نفوذ محمد علي وامتداده إلي الجزيرة العربية والبحر الأحمر وبلاد الشام وسيطرته علي طريق من أخطر وأهم الطرق التجارية في العالم وخاصة بالنسبة للتجارة البريطانية، وطريقها إلي القنصل البريطاني في القدس وليام بونغ بمنح اليهود الحماية البريطانية واستغلال أفكارهم الدينية حول فلسطين التوراتية.

وفي نفس العام عمل البريطانيون علي جبهة أخرى من خلال زعيم اليهود في بريطانيا موسى مونتيفيوري الذي كان أول يهودي يحصل علي لقب سير ويشغل منصب عمدة لندن، وكان يتمتع بصداقة شخصية قوية مع الملكة فكتوريا، حيث قام في نفس العام 1839 بزيارة محمد علي وابنه إبراهيم وحصل منهم علي وعد بمنحه  امتياز استئجار حوالي 200 قرية في منطقة الجليل في فلسطين لمدة خمسين عاماً حرة من الضرائب والسماح له بإرسال خبراء لتدريب اليهود علي أعمال الزراعة والصناعة وبالمقابل تعهد مونتيفيوري بإنشاء شبكة بنوك بريطانية في المدن الرئيسية في مصر وسوريا وفلسطين، ولكنه بدلا من قرى الجليل قام بشراء أراض أقام عليها مزارع بالقرب من يافا والقدس وصفد.

وتميزت الهجرة اليهودية في تلك الفترة أنها لم تقتصر علي الفقراء منهم بل امتدت لتشمل أغنياء ذوي ثقافة غربية من هولندا وألمانيا الذين أسسوا كوليل هود وكانوا نخبة اليهودية متميزة وأسهموا في تطوير النشاطات التعليمية والطبية بين اليهود، وفي مرحلة لاحقة وبعد إعادة سيطرة الإمبراطورية العثمانية علي فلسطين كان علي بريطانيا الضغط بقوة علي السلطان العثماني لإلغاء القوانين العثمانية التي منع بيع الأراضي والعقارات في القدس وضواحيها لليهود.

وقد حقق أول نجاح في تحقيق هذا الهدف حينما نجح مونتيفيوري بتدخل مباشر من الحكومة البريطانية عام 1855 وفي أعقاب لقائه مع السلطان في الأستانة في الحصول علي فرمان تسنى له بموجبه شراء أول قطعة أرض في القدس خارج سور البلدة القديمة، وبدلا من أن يقيم عليها مستشفى كما ورد في الفرمان أقام عليها أول حي سكني يهودي في فلسطين وفي القدس بالذات عرف – فيها بعد – بحي مونتيفيوري.

وبعد ذلك تم إنشاء العديد من الأحياء اليهودية في المدينة حتى بلغت عام 1892 ثمانية أحياء، علماً أن عدد اليهود في فلسطين لم يتجاوز أحد عشر ألفا حتى ستينيات القرن التاسع عشر، وكان هدف بريطانيا من كل ذلك تشجيع اليهود علي الهجرة لتوسيع قاعدتها هناك.

وقد اهتم مونتيفيوري أيضاً بأوضاع الجماعات اليهودية في شرق أوروبا، فزار روسيا عامي 1846 و 1872 لبحث حالتهم مع الحكومة القيصرية، كما زار المغرب عام 1863 ورومانيا عام 1867 للغرض نفسه.

وقد أكسبته جهوده لصالح الجماعات اليهودية، ومهاراته وحنكته الدبلوماسية، وقدرته علي الوصول إلي الحكام المناسبين، مكانة واحتراماً كبيرين، خصوصاً لدى الحكومة البريطانية حيث كان كثير من نشاطاته متفقاً مع السياسات الاستعمارية البريطانية، وكان تأييده للاستيطان اليهودي في فلسطين، شأنه شأن معظم الأثرياء اليهود المندمجين في المغرب، يهدف إلي تحويل تيار الهجرة المتدفق من شرق أوروبا علي غربها بعيداً عنها، لأن هذا التيار كان يهدد وضعه الطبقي والحضاري في إنجلترا.

ولذلك كان من أهم اهتماماته تحويل اليهود إلي قطاع اقتصادي منتج، عن طريق ربطهم بالأرض ومهنة الزراعة وإنشاء المستوطنات الزراعية وإدخال العلوم العصرية في المدارس اليهودية في شرق أوروبا.

قام مونتيفيوري بزيارة روسيا مرتين، الأولى في العام 1846 والثانية في العام 1872، ونجح بمساعيه في التخفيف من الأحوال الصعبة التي كانت الجاليات اليهودية في روسيا تمر بها.

وتمكن أيضاً أثناء زيارته إلي روما في العام 1858 من معالجة عملية خطف الشاب اليهودي مورتارا وتعميده ليصبح مسيحياً وعالج سياسات قضايا ملاحقات اليهود ومضايقات عدد منهم في كل من المغرب واليونان ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا وغيرها.

زار فلسطين سبع مرات، وكانت الأخيرة في عام 1875 وكان له من العمر تسعون عاماً، وكانت رغبته في جعل الاستيطان اليهودي في فلسطين قوة إنتاجية في الزراعة والحرف اليدوية، ولتحقيق هذا الغرض قام بإنشاء مستشفيات وعيادات ومؤسسات للإحسان والدعم، واشترى أرضاً في يافا جعلها بيارة للحمضيات لتوفير أماكن عمل لليهود وأقام أول حي سكني خارج أسوار القدس عرف بحي شأنانيم.

ولما بلغ سن المائة عام كرمته حركة (محبي صهيون) في مؤتمرها العام في كاتوفيتش بتأسيس صندوق لدعم المستوطنات في فلسطين باسم "مزكيرت موشي" أو "ذكرى موسى".

وتوفي عن عمر 101 عام وذلك في العام 1885 ودفن في بلدة رامسغيت في بريطانيا، قبل أن يواصل ابن أخته يوسف سيباج مونتيفيوري (1822 1903) خاله في فلسطين، ويتولى نائب رئيس حركة أحباء صهيون.