ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

آحاد هعام

آحاد هعام عبارة عبرية تعني أحد العامة وآحاد هعام هو الاسم الذي اشتهر به الكاتب الروسي (وكان يكتب بالعبرية) آشر جينزبرج ويُعَدُّ آحاد هعام من أهم الكُتَّاب والمفكرين في الأدب العبري الحديث، كما يُعَدُّ فيلسوف الصهيونية الثقافية (أي الصهيونية الاثنية العلمانية) بل المؤسس الحقيقي للفكر الصهيوني، والذي خرج من تحت عباءته كل المفكرين الصهاينة، خصوصاً العلمانيين ، ابتداءً من مارتن بوبر وانتهاءً إلى هارولد فيش.

وقد نشأ آحاد هعام في عائلة "حسيدية" في قرية صغيرة بالقرب من كييف، وكان أبوه عضواً في حركة "حبد" اليهودية, وقد تلقَّى تعليماً يهودياً تقليدياً حتى أن معلمه منعه من تعلم الألفبائية الروسية لأن هذا كان يُعَدُّ ضرباً من الهرطقة, ولكنه مع هذا التحق في نهاية الأمر بمدرسة ثانوية في روسيا وقد دفعته دراسته الجديدة إلى هَجْر الحسيدية، ثم تخلَّى بعد ذلك عن كل إيمان ديني وإن كان قد عبَّر عن إعجابه بالحسيدية في إحدى مقالاته، وذلك بسبب طابعها اليهودي الإثني (أي اليهودية كفلكلور) ولا شك في أن النزعة الحلولية المتطرفة في الحسيدية قد تركت أثرها فيه وفي بنيان فكره.

وقد استقر آحاد هعام عام 1886 في أوديسا للعمل في التجارة، وأوديسا إحدى المدن الجديدة التي أنشأها القياصرة على البحر الأسود بعد ضمها من الدولة العثمانية في نهاية القرن الثامن عشر وقد أصبحت مركزاً تجارياً مهماً ونشيطاً.

وقد تم توطين أعضاء الجماعة اليهودية، مع غيرهم من الروس البيض، كعنصر استيطاني يخلق وجوداً أو كثافة سكانية روسية بيضاء، أي أن اليهود تم توطينهم كروس ولذا فقد مُنحوا حقوقاً ومزايا كثيرة وكانت أوديسا تختلف كثيراً عن غيرها من المدن من حيث جوها كما كانت بعيدة عن مراكز الدراسة الأرثوذكسية، وكانت مركزاً مهماً لأدب العبرية والفكر الصهيوني في روسيا.

ثقَّف آحاد هعام نفسه بنفسه، فدرس العلوم وقرأ أدب حركة التنوير وتعلَّم بعض اللغات الأوربية ودرس الفلسفة فتأثر بالفلسفة الوضعية في روسيا من خلال أعمال المفكر الروسي بيساريف الذي عرَّفه على أعمال جون ستيورات ميل.

وقد تأثر كذلك بفلسفة لوك، ولكن هربرت سبنسر (المفكر الاختزالى التبسيطى) وفلسفته العضوية الداروينية كان لهما أبعد الأثر في تفكيره وكان هو نفسه يَعُد سبنسر (المفكر الاختزالى التبسيطى) أقرب المفكرين إلى قلبه.

كما تأثر بفلسفة نيتشه وهردر تأثراً عميقاً، شأنه في هذا شأن كثير من المفكرين والمثقفين اليهود في عصره ويتجلى عمق تأثر آحاد هعام بنيتشه في زعمه أن النيتشوية واليهودية صنوان.

ذهب آحاد هعام إلى أن الذي خرج من الجيتو ليس اليهود وحسب وإنما اليهودية نفسها. لقد خرجت إلى عالم حديث يمثل قوة جذب هائلة بهرت اليهود، الأمر الذي يشكل خطراً حقيقياً على الاستمرارية اليهودية وعلى الهوية اليهودية، كما يؤدي إلى فقدان اليهود إحساسهم بالوحدة والترابط وإلى ضعف تمسُّكهم بقيمهم وتقاليدهم.

كما خرجت اليهودية علاوة على ذلك إلى عالم مُشبَّع بالروح القومية العضوية حيث يتعيَّن على الغريب الذي يريد أن يندمج في مثل هذه الحضارة أن يطمس شخصيته وينغمس في التيار الغالب.

ولذا، فإن الاندماج حل أتى من الخارج يهدف إلى خَلْق حياة جديدة تماماً لا علاقة لها بالهوية اليهودية، وبالتالي فإن الوحدة اليهودية ستتفتت وتنقسم اليهودية إلى أكثر من نوع واحد يختلف كل نوع منها باختلاف البلد الذي ينتمي إليه اليهودي.

وفي الواقع فإن القومية العضوية ترفض الآخر حتى لو أراد الاندماج والذوبان فيها، ولذا فإن حل الذوبان لم يكن مطروحاً أصلاً في الوسط السلافي أو الجرماني الذي كان يتحرك فيه اليهود (أي أن فكرة الشعب العضوي تُصنِّف الآخر على أنه عضو في الشعب العضوي المنبوذ، والآخر هنا هو اليهود في المحيط الجرماني والسلافي أي في كل أوربا).

وقد خرج اليهود واليهودية من الجيتو في لحظة كان الدين اليهودي فيها قد تحوَّل إلى عبء حقيقي، فأهل الكتاب قد أصبحوا عبيداً للكتاب حتى أصبح عمل هذا الكتاب هو أن يُضعف كل قوى الإبداع الذاتي والعاطفي لدى اليهود ويحطمها.

وتحوَّل القانون إلى قانون مكتوب جامد، وتَوقَّف تَطوُّر اليهود واختفى العالم الداخلي تماماً، وأصيب اليهود بالشلل الحضاري. ولذا، كان السؤال هو: هل يمكن تطبيع اليهود وتحرير الروح اليهودية من أغلالها لتعود إلى الاندماج في مجرى الحياة الإنسانية دون أن تضحي بالهوية اليهودية وبالطابع الخاص لها؟

حسب تصوُّر آحاد هعام، تأخذ المسألة اليهودية شكلين: أحدهما في الشرق، وثانيهما في الغرب. وقد نجحت المسألة اليهودية في الغـرب في إعـتاق اليهــود ثم في إفقادهم هويتهم اليهودية ، كما نجحت في تعريضهم لمسألة معاداة اليهود الأمر الذي أعاد اليهودي لعالمه اليهودي لا حباً فيه وإنما هرباً من معاداة اليهود.

ولكنه عند عودته وجد العالم اليهودي ضيقاً لا يُشبع حاجاته الثقافية، بل إن العالم اليهودي لم يَعُد جزءاً من ثقافته (فهو يهودي غير يهودي). ولذا، فهو يصبو إلى إنشاء دولة يهودية يستطيع أن يعيش فيها حياة تشبه حياة الأغيار التي يحبها ويحقق فيها لنفسه كل ما يريد من أشياء يراها الآن أمامه ولا يستطيع الوصول إليها. وهو إن لم يستوطنها بنفسه وبقى حيثما يكون، فإن مجرد وجودها على الأقل سوف يرفع مكانته أينما كان، فلن يُنظَر إليه نظرة احتقار باعتباره عبداً يعتمد على استضافة أهل البلاد له.

إن الدولة اليهودية، بل مجرد التفكير فيها هو شيء يشفيه من مرض نفسي هو الشعور بالضعف، فمحور المشكلة في الغرب هو الفرد اليهودي المندمج الذي تُسبِّب له معاداة اليهود شيئاً من الإحباط والإحساس بالضعف.

أما يهود الشرق فهم على عكس ذلك، فالمشكلة بالنسبة إليهم ذات شقين: شق مادي وشق ثقافي لكن دولة هرتزل لن تَحُل أياً من المشكلتين، فهي لا تكترث أصلاً بالجانب الثقافي أما فيما يتعلق بالجانب المادي، فإن آحاد هعام كان يرى استحالة إخلاء أوروبا من اليهود الفائضين، فالدولة اليهودية لن تُوطِّن سوى قسم من اليهود في فلسطين، وبالتالي فإن حل المشكلة حلاًّ كلياً أمر غير ممكن.

وسيظل الاعتماد على الحلول الأخرى المطروحة ضرورياً مثلاً: زيادة عدد المزارعين والعاملين بالمهن اليدوية من اليهود وفي نهاية الأمر، فإن حل الشق المادي سيعتمد في الأساس على الحالة الاقتصادية وعلى المستوى الثقافي للأمم المختلفة التي تُوجَد فيها أقليات يهودية.

وإذا كانت الحلول المطروحة لا تُجدي ومحكوماً عليها بالفشل، فما الحل إذن؟ يجد آحاد هعام أن الدواء يوجد في الداء نفسه، أي القومية العضوية بعد تهويدها ويرى آحاد هعام أن الدين اليهودي رغم جموده الذي سقط فيه كان مهيأ أكثر من أي دين آخر لعملية التحديث، فهو دين عقلاني جماعي يؤكد أهمية العقل والجماعة (وليس كالدين المسيحي الذي يؤكد أهمية الإيمان والفرد).

كما أن عقيدة التوحيد في نظره هي في جوهرها اكتشاف مبكر لوحدة الطبيعة ولفكرة القانون العلمي والمعرفة العلمية التي تتجاوز الإحساس المباشر. (وما يتحدث عنه آحاد هعام هو في واقع الأمر الواحدية الكونية)، فهو يشير إلى أن الفريسيين الذين صاغوا اليهودية الحاخامية رفضوا كلاًّ من الأسينيين (دعاة الروح) والصدوقيين (دعاة المادة) وزاوجوا بينهما (أي وحدوا الروح والمادة وألغوا الثنائية التي تسم الأنساق التوحيدية وأحلوا محلها الواحدية الحلولية الكونية الكامنة في كلٍّ من العبادات الوثنية القديمة والعلمانية الحديثة)، وهذا هو إنجاز يفنه الأكبر وهو أيضاً ما حفظ اليهودية على مر العصور.

لكن هذا لا يعني بطبيعة الحال العودة إلى الدين، فآحاد هعام كان ملحداً وقد سماه آرثر هرتزبرج "الحاخام اللا أدري" (وهذه مفارقة لا يمكن أن يُوجَد لها مثيل في المسيحية أو في الإسلام، ولكن التركيب الجيولوجي لليهودية يسمح بها).

وحينما ذهب آحاد هعام إلى فلسطين ورأى أحجار حائط المبكى، لم تتحرك أية مشاعر دينية داخله، بل وجدها رمزاً للخراب الذي حاق بالشعب اليهودي ولم يكن الدين بالنسبة إليه سوى شكل من أشكال التعبير عن الروح القومية اليهودية الأزلية المتجسدة في التاريخ، وهو وعاء كامن في الذات وليس مقياساً مطلقاً خارجاً عنها، فالدين اليهودي مجموعة من الأفكار اليهودية تضرب بجذورها في الطبيعة (اليهودية) أو التاريخ (اليهودي). ولذا، فإن العودة تكون لهذا المطلق ولهذا المطلق وحده، أي للذات الإثنية اليهودية مصدر الدين اليهودي والتي ستحل محله، والتي سيخلع القداسة عليها تماماً كما فعل مفكرو ودعاة القومية العضوية في ألمانيا وشرق أوروبا وهو في هذا كان متأثراً بهيجل وهردر والمفكرين السلاف والألمان الذين كانوا يرون الإثنية مطلقاً، وقيمة في حد ذاتها وكما هو واضح، فإن آحاد هعام يقف في هذا على الطرف النقيض من التراث الديني اليهودي.

وعلى سبيل المثال فإن سعيد بن يوسف الفيومي ذكر أن اليهود شعب من أجل التوراة أو بسببها وبذلك جعل الشعب أداة، أما آحاد هعام فيرى أن كل شيء أداة لتأكيد هوية الشعب حتى الدين نفسه.

ويذهب آحاد هعام إلى أن ثمة اتجاهاً عاماً نحو القومية العضوية بدأ يسود بين اليهود في شرق أوروبا فاللغة العبرية لم تَعُد اللسان المقدَّس لليهود وإنما أصبحت لغة الأدب العبري العلماني وبدأت تحل محل الدين كإطار للوحدة.

وقد ساهم هو نفسه في هذا التيار وأضفى صبغة علمانية على مفاهيم دينية، مثل الشعب المختار لتصبح مصطلحاً نيتشوياً يُسمَّى «السوبر أمة» أو «الأمة المتفوقة»، التي تُعلي شأن القوة والإرادة.

وانطلاقاً من هذه المفاهيم العضوية، طرح آحاد هعام نظريته الخاصة بما يُسمَّى "الصهيونية الثقافية" التي تهدف إلى بَعْث أو تحديث الثقافة اليهودية التقليدية حتى يمكنها التعايش مع العصر الحديث, ويمكن إنجاز ذلك من خلال إطار القومية العضوية ولذلك، اقترح آحاد هعام إنشاء مركز ثقافي في فلسطين يسبق تأسيس الدولة اليهودية يكون بمنزلة مركز عضوي للفولك أو الشعب العضوي اليهودي يمكن أن تؤكد الهوية اليهودية نفسها من خلاله على أسس عصرية.

ففي فلسطين يستطيع اليهود أن يستوطنوا وأن يعملوا في شتى فروع الحياة من زراعة وأعمال يدوية إلى علوم طبيعية ومثل هذا المركز العضوي سيصبح مع مرور الزمن مركزاً للأمة تستطيع روحها أن تظهر وتتطور من خلاله إلى أعلى درجات الكمال التي بوسعها الوصول إليها بشكل مستقل.

ومن هذا المركز ستُشع الروح القومية اليهودية العضوية إلى سائر الجماعات اليهودية في العالم فتبعث فيهم حياة جديدة تُقوِّي وعيهم القومي وتُوطِّد أواصر الوحدة بينهم ومن خلال هذا المركز ستنمو الشخصية اليهودية وستُزال منها الشوائب التي عَلقت بها نتيجة سنوات طويلة من الشتات وستُولِّد شخصية جديدة فخورة بهويتها اليهودية, لكن عملية البعث العضوي هذه لا يمكن أن تتم دفعة واحدة، وبعملية سياسية بسيطة، فهي عملية حضارية طويلة بطيئة بطء النمو العضوي.

ولا يعترض آحاد هعام على تأسيس دولة يهودية في فلسطين تضم أغلبية يهودية، ولكنه يرى أن الدولة ستكون تتويجاً لعملية النمو العضوية البطيئة والثمرة النهائية وليس بذرة البدء. بل إن المركز الثقافي سيؤدي إلى قيام رجال في أرض إسرائيل نفسها يستطيعون، متى حان الوقت، أن يؤسسوا دولة هناك، لا تكون دولة يهود وإنما دولة يهودية بالمعنى الحلولي للكلمة, دولة عبرية علمانية, والدولة في هذا الإطار ليست نهاية في ذاتها، وإنما وسيلة للتعبير عن الذات القومية، وهي نتاج فعل حضاري بطيء وليس انقلاباً سياسياً مفاجئاً.

وقد كان موقف آحاد هعام من الجماعات اليهودية في العالم ينبع من موقفه العضوي نفسه، فقد رفض فكرة البعث اليهودي في أنحاء العالم المختلفة أينما وُجدت جماعات يهودية (مع تغيُّر مركز اليهودية من بابل إلى الأندلس إلى نيويورك) فمثل هذا الرأي تعددي تنوعي.

وفي الوقت نفسه، لم يأخذ آحاد هعام بالموقف الصهيوني المتطرف المبني على تصفية الجماعات، فقد رأى أن مركزه الروحي، ودولته اليهودية داخل الإطار العضوي، ستعمق الوعي الاثني عند أعضاء الجماعات اليهودية وتزيد الفواصل بينهم وبين جيرانهم الأغيار.

و لكن البرنامج الثقافي عند آحاد هعام كان يثير مشكلتين أساسيتين:

فهو لم يتحدث قط عن آليات إنشاء المركز الروحي (الدولة اليهودية)، كما لم يطرح برنامجاً سياسياً، بل ترك المسألة غامضة ولعله ترك هذه الأمور لدعاة الصهيونية العملية والصهيونية الاستيطانية الذين كانوا سيتكفلون بالإجراءات كافة، وضمنها الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها وعلى كلٍّ كان نيتشه (وكذلك داروين) رابضاً وراء كل سطور كتاباته.

وهناك مشكلة الثقافة التي يطرحها: فقد رفض كل ثقافات اليهود الموجودة بالفعل، سواء الثقافة اليديشية في شرق أوروبا أو التراث السفاردي الذي كان لا يجهله, ولكن هذا أمر لم يسبب له أرقاً، فقد كان يطرح ما سماه (الثقافة اليهودية) الخالصة بديلاً لكل هذه الثقافات المتعينة.

وقد نزل آحاد هعام إلى ميدان النشاط الصهيوني، فانضم إلى جماعة أحباء صهيون وأصبح مفكرها الأساسي، لكنه ما لبث أن انتقد سياسة هذه الجمعية الداعية إلى الاستيطان التسللي في فلسطين وذلك في مقال بعنوان "ليس هذا هو الطريق". وقد عزَّز مقاله الأول بدراستين نقديتين كتبهما بعد زيارتيه لفلسطين عامي 1891 و1893 ومن أهم مقالاته الأخرى، "الدولة اليهودية والمسألة اليهودية" (1897) و"الجسد والروح" (1904).

ومن المهم هنا أن نتحدث عن أهم ما تميز به هذا الزعيم الصهيوني الذي يلقب بأبي المفكرين الصهاينة، وهو مدرسته التي تعرف بـ "الصهيونية الإثنية العلمانية".

الصهيونية الإثنية العلمانية هي "الصهيونية الثقافية" أو "الصهيونية الروحية" ويشار لها أحياناً بـ "الصهيونية العلمانية" وهي اتجاه صهيوني في تيار الصهيونية الإثنية ينطلق من الصيغة الصهيونية الأساسية ويهتم بقضايا الهوية والوعي ومعنى الوجود، ويرى أن المشروع الصهيوني مهما كان توجُّهه السياسي الاقتصادي لابد أن يكون ذا بُعْد اثني يهودي ومجال الصهيونية الإثنية العلمانية هو كل يهود العالم، ولذا فهي لا تُفرِّق بين المستوطنين الصهاينة ويهود العالم.

وتنادي الصهيونية الإثنية العلمانية بأن يتحول المُستوطَن الصهيوني إلى مركز لإحياء الإثنية اليهودية، وترى أن الثقافة اليهودية لا يمكن أن تستمر دون هذا المركز.

وفيما يتصل بالعقيدة اليهودية، فإن الصهيونية الإثنية العلمانية ترى أنها قضت نحبها، وأن ما يمكن أن يحقق الاستمرار هو الإثنية اليهودية التي يمكن أن تصبح موضع المطلقية ومصدر القداسة وخلفية الصهيونية الإثنية هي نفسها خلفية الصهيونية على وجه العموم من تعثُّر عملية التحديث في شرق أوروبا إلى وصولها إلى طريق مغلق عام 1880، الأمر الذي جعل استمرار حركة التنوير اليهودية صعباً, ويُضاف إلى هذا الوضع الإثني الخاص ليهود شرق أوروبا المتمثل في ثقافتهم اليديشية القديمة نوعاً ما وفي ثقافتهم العبرية الجديدة.

ويضاف إلى ذلك أيضاً وضعهم الاقتصادي الوظيفي المتميِّز كما يجب أن نضع في الاعتبار فكرة القومية العضوية والشعب العضوي (الفولك) التي أثرت في اليهود تأثيراً سلبياً عميقاً بنبذهم، وتأثيراً عميقاً إيجابياً بطرح نموذج الحركة لهم.

ويُعَدُّ المفكر اليهودي الروسي آحاد هعام – كما أسلفنا - أهم المفكرين في هذا التيار، كما تعد أفكاره الأفكار الأساسية لهذه المدرسة ويمكن أن نضم إليه أليعازر بن يهودا (1858 ـ 1922) كما يُصنَّف مارتن بوبر (1878 ـ 1965) ضمن أتباع هذا الاتجاه بسبب تقديسه للشعب اليهودي، وبسبب رؤيته الحوارية الحلولية، ولاستخدامه مصطلح الفكر القومي العضوي.

وبسبب اختلاف المستويات، لا يوجد تناقض بين الصهيونية الإثنية العلمانية والتيارات الصهيونية الأخرى، كما أن الصراع لا ينشب إلا بينها وبين أتباع الصهيونية الإثنية الدينية. ويمثل فكر الصهيونية الإثنية العلمانية فريقان، أحدهما في إسرائيل والآخر خارجها أما الفريق الإسرائيلي فيؤكد مركزية (أو أرستقراطية) الدولة الصهيونية في حياة الدياسبورا بل يتخطى أحياناً حدود الصيغة الآحاد هعامية وينادي بإلغاء أو نفي الدياسبورا أو اعتبارها مجرد جسر أو قنطرة.

أما الفريق الثاني فهم صهياينة الدياسبورا (الصهاينة التوطينيون في الخارج)، وهم أكثر اقتراباً من الصبغة الأصلية وهؤلاء يرون ضرورة وجود مركز ثقافي في إسرائيل حتى يستمد التراث اليهودي أسباب الحياة والاستمرار في دعم هويتهم اليهودية الآخذة في التآكل في مجتمعاتهم العلمانية، ولكنهم لا يرون أية ضرورة للاستيطان في إسرائيل والمشكلة بالنسبة إليهم هي مشكلة يهودية وليست مشكلة يهود، كما أن الدولة بالنسبة إليهم وسيلة ثقافية وليست غاية، تماماً كما كان الحال مع آحاد هعام.

والواقع أن أغلبية يهود المُستوطَن الصهيوني الساحقة (من أقصى اليمين حتى أقصى اليسار) من أتباع الصهيونية الإثنية العلمانية وكذلك غالبية أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ممن يناصرون الصهيونية هم من أتباع هذا التيار، وخصوصاً في صياغته التي تتركهم وشأنهم في أوطانهم ولا تطلب منهم الهجرة.

والحقيقة أن آحاد هعام لم يتوقف عند حدود الفكر والتنظير فقد أسس جمعية صهيونية أطلق عليها "جمعية بني موسى"، و بني موسى تقابلها في العبرية "بني موشيه".

وبني هعام جمعية صهيونية سرية (أسست على غرار المحافل الماسونية) تشكل إحدى جمعيات "أحباء صهيون"، أُسِّست في روسيا عام 1889 في 7 مايو (تاريخ مولد موسى بحسب تقاليد فلكلور بعض الجماعات اليهودية)، واستمرت في نشاطها حتى عام 1897.

وتعود فكرة تأسيسها إلى يهوشاوا بارزيلاي الذي عاد من فلسطين وقد امتلأ استياءً من أحوال المستوطنين من الناحيتين الثقافية والإثنية، إذ يبدو أنهم كانوا مُستوعَبين تماماً في الأعمال الاستيطانية ولم يطوروا الطابع اليهودي الإثني في المستوطنات.

وتعود سرية الجمعية إلى تفكير آحاد هعام النخبوي (الذي تولَّى رئاسة الجمعية), فآحاد هعام كان متأثراً تماماً بنيتشه وإن كان الخطاب النيتشوي يكتسب مصطلحات ونبرة يهودية في حالته ولذا فقد وجد أن هذا البعث الثقافي لا يمكن أن يتم إلا على يد مجموعة من الكهنة التي تكرس حياتها لتحقيق هذا الهدف سواء داخل فلسطين أو خارجها. وهذه المجموعة من الكهنة تصبح بمنزلة المرشدين للأمة بأسرها سواء داخل فلسطين (بين المستوطنين) أو خارجها لتثقيف الأجيال الصاعدة (من المستوطنين).

وكان كل فرع من فروع الجمعية يتكون من خمسة أشخاص على الأقل، كما كانت معرفة العبرية أحد شروط الالتحاق بالجمعية.

وقد وُجهت الجمعية بمعارضة من جانبين: الصهاينة العمليين (التسلليين) بزعامة ليلينبلوم وكانوا يرون أن الهدف المباشر والعامل الأساسي هو نقل اليهود وتوطينهم، وتأتي الأمور الثقافية في المرتبة الثانية.

أما الجانب الآخر من جماعات المعارضة، فقد كانت تشكلها الأوساط الأرثوذكسية إذ عرَّفت الانتماء اليهودي باعتباره انتماءً إثنياً دينياً وليس إثنياً علمانياً (كما فعلت الجمعية). وقد أسست الجمعية مدارس لتعليم العبرية وداراً للنشر في وارسو وأصدرت مجلة (عبرية) هاشيلواح.

وبعد تأسيس المنظمة الصهيونية، انحلت الجمعية ومع هذا، فقد استمر آحاد هعام في التعبير عن فكرها وفي معارضة الصهاينة الذين رفضوا تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية بدرجة كافية وتركوها عارية من الديباجات بحيث ظلت الحركة مجرد حركة تنقل اليهود من أوروبا.