ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

ناحوم جولدمان

تولَّى رئاسة المؤتمر اليهودي العالمي ، كما تولَّى رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية. و يعد مهندس اتفاقية التعويضات التي دفعت الحكومة الألمانية بمقتضاها آلاف الملايين من الدولارات لليهود !!

يخيل للمرء ، وهو يمعن النظر في شخصية هذا الصهيوني العتيد ، أننا أمام ظاهرة نادرة فى تاريخ الصهيونية ، وهذه الظاهرة تحتاج المزيد من الامعان والبحث .

هو زعيم صهيوني خطير .. يكفي أنه منظر الصهيونية الأول ، و مؤسِّس المؤتمر اليهودي العالمي ذراع الأخطبوط الصهيوني الطويلة ، التي ساهمت بالنصيب الأعظم في اغتصاب فلسطين !!

و لكن ما يدفعنا إلى اعتباره ظاهرة هو أنه عندما كان يؤرخ للكيان الصهيوني لم يجد غضاضة في أن يعترف في كتاباته و مذكراته و مؤلفاته بصعوبة ترويج إسرائيل كدولة سلام ، كما لم ينس أن يسجل هزيمة إسرائيل الساحقة في حرب أكتوبر المجيدة ، و يعترف بلسانه بأن أسطورة جيش إسرائيل الذي لا يقهر انهارت " !!

وُلد في ليتوانيا ونشأ وتعلَّم في ألمانيا حيث حصل على الدكتوراه في القانون، وانخرط في سلك النشاط الصهيوني وهو بعد في سن الخامسة عشرة. وقد حاول أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها أن يثير اهتمام الحكومة الألمانية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين تحت رعاية ألمانيا ، وقد كان مثل هرتزل من كبار المعجبين بالروح العسكرية البروسية. وأسس مع كلاتزكين في برلين دار إشكول لنشر الكتب العبرية، وكان من أعضاء جماعة العامل الفتي، ولكنه تركها وانضم إلى جماعة الصهاينة الراديكاليين وحضر جميع المؤتمرات الصهيونية منذ عام 1921، وساهم في تأسيس المؤتمر اليهودي العالمي عام 1936 (وهي فكرة باركها الزعيم الفاشيستي موسوليني في اجتماع بينه وبين جولدمان ساده الفهم المُتبادَل، وقد أبدى الدوتشي استعداده لدعم هذا المؤتمر).

فقد أدرك جولدمان باعتباره أحد منظري وزعماء الحركة الصهيونية، ان مشروعهم الاستيطاني لتهويد فلسطين لن يكلل بالنجاح ، مادام اليهود يرفضون ترك أوطانهم الأصلية التي ولدوا وعاشوا فيها، والتوجه الى وطن آخر لا تربطهم به أدنى صلة، وكانوا ينظرون الى موجات العداء للسامية باعتبارها «ظاهرة مفيدة للحفاظ على الشخصية اليهودية».

ولذا لم يتورع مؤسسو الحركة الصهيونية، عن مشاركة أعداء السامية في تدمير وتنفيذ المجازر وحملات الإبادة ضد اليهود، لحملهم على التماس النجاة بوسائل نقل أعدتها الوكالة اليهودية، بهدف دفعهم للهجرة الى ما يسمى " أرض الميعاد " ولم يعد خافياً ما كان يبذل من أموال طائلة لتغذية موجات الاضطهاد المفتعلة ودفع عجلة العداء للسامية لتشريد المزيد من اليهود وتوجيههم الى فلسطين.

ومن هنا تصاعد التحالف بين الصهاينة وأعداء السامية " الى توثيق العلاقات مع الحكومات الفاشية في ايطاليا وألمانيا .

 

ففي عام 1923 عقد لقاء بين - حاييم وايزمن - رئيس المنظمة الصهيونية العالمية ، والدوتشي الإيطالي - موسوليني - الذي أكد استعداده لتقديم كل المساعدات اللازمة للصهاينة للإسراع في استيطان وتهويد فلسطين، وأن حكومة بلاده تضع إمكاناتها لمساعدة الصهاينة في انشاء أسطول بحري وتدريب بعض الطيارين!

واستمرت لقاءات موسوليني وقادة الصهيونية دون توقف، وفي لقائه مع ناحوم جولدمان في 13 نوفمبر 1934، أكد موسوليني موقفه حيال المشروع الصهيوني، وأبدى موافقته على فكرة تأسيس «المؤتمر اليهودي العالمي» التي طلب جولدمان مشورته فيها.

وعندما وصل هتلر الى قمة السلطة في ألمانيا بدا أن ذلك سيثير المخاوف في نفوس الصهاينة، لكن ما حدث كان على عكس ذلك، فقد كان الصهاينة ، و في مقدمتهم وايزمان يرون في وصول النازيين الى قمة السلطة في واحدة من أكبر الدول الرأسمالية في أوربا فرصتهم الذهبية لأحكام سيطرتهم على يهود أوربا، والتعجيل في دفعهم للهجرة الى فلسطين.

و يظهر التاريخ أن زعماء الصهيونية ، و بالطبع وايزمان في مقدمتهم ، كانت لهم علاقات وثيقة مع هتلر، ومن قبل وصوله الى الحكم ، وأن النازيين كانوا يتلقون مساعدات مالية ضخمة من البنوك والاحتكارات الصهيونية، ساعدتهم بشكل فعال في الوصول الى السلطة .

فعلى سبيل المثال، ثبت ان النازيين قد تسلموا عام 1929 مبلغ 10 ملايين دولار من بنك " مندلسون أندكومباني " الصهيوني بأمستردام، كما تلقوا عام 1931 مبلغ 15 مليون دولار، وفي عام 1933 بعد وصول هتلر للسلطة ، كان أول ما أرسله له الصهاينة مبلغ 126 مليون دولار، ولاشك أن هذه المساعدات المالية الكبيرة، كانت عوناً للنازيين - من المنظمات الصهيونية العالمية - لبناء قوتهم العسكرية والاقتصادية، اللازمة لاجتياح أوربا، وإبادة الملايين من البشر، ومن بينهم اليهود، وهو ما اعترف به " ناحوم جولدمان " في كتابه " جولدمان : السيرة الذاتية " .

وقد تولَّى جولدمان رئاسة المؤتمر اليهودي العالمي في الفترة بين عامي 1953 و1977، كما تولَّى رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية منذ عام 1956 حتى عام 1968 وقد أصبح مواطناً إسرائيلياً عام 1964، ولكنه لم يلعب دوراً ذا بال في الحياة السياسية هناك.

ومن أهم مساهمات جولدمان في دعم التجميع الاستيطاني في إسرائيل، إتمام اتفاقية التعويضات الألمانية التي دفعت الحكومة الألمانية بمقتضاها تعويضات لأسر اليهود الذين قُتل ذووهم في معسكرات الاعتقال.

وقد ذهبت معظم التعويضات التي بلغت 822 مليون دولار إلى إسرائيل، هذا غير المبالغ التي دُفعت للأفراد (وقد اعترف جولدمان نفسه بأن مجموع التعويضات الفعلي قد بلغ 40 ألف مليون مارك، أي حوالي أربعة بلايين دولار).

 

وبعد عام 1967، تزايدت الانتقادات التي وجهها جولدمان إلى الحكومة الإسرائيلية بشأن قضية السلام، ولم يُعَد انتخابه رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية عام 1968 وأصبح بعد ذلك مواطناً في سويسرا. وحاول زيارة مصر عام 1969 ولكن جولدا مائير، رئيسة الوزراء آنذاك، رفضت المبادرة. وقد طلب جولدمان من كارتر أن يحطم اللوبي الموالي لإسرائيل في الولايات المتحدة.

ويُلاحَظ أنه، على المستوى الفلسفي والفكري، يوجد تياران متصارعان في تفكير جولدمان، التيار الأول حلولي كموني صهيوني معـاد للتـاريخ من الناحية السـياسـية. فالتاريخ اليهودي، حسب جولدمان، يعبِّر عن تفرُّد الشعب اليهودي الذي بقى عبر التاريخ بسبب مقدرته الروحية ووحدتها، وهي مقدرات تخلع على تاريخ البشرية بأسره جلاله ومغزاه، فكأن الشعب اليهودي هو المطلق الكامن في مركز التاريخ وركيزته الأساسية. بل إن الشعب اليهودي في علاقته مع الأغيار يشبه علاقة المسيح مع من صلبوه. فالبشرية التي يعيش اليهود بينها هي المسئولة عن عذابهم. هذه الأمة ذات علاقة حلولية عضوية بالأرض الفلسطينية، ومن ثم تصبح الدولة الصهيونية حتمية وتصبح حقوق اليهود في الأرض مطلقة. وحتى لو سلمنا بأن العرب أصحاب حق في فلسطين فيجب إدراك أن هذه الحقوق لا تُقارَن بالحقوق اليهودية المطلقة فيها.

ولكن جولدمان كصهيوني توطيني يكمل هذه الرؤية الحلولية بأخرى أقل حلولية وأكثر تفتحاً، فهو يؤمن بأن الإله لا يتجسد في كل تعرجات ونتوءات التاريخ اليهودي ولا يتدخل دائماً فيه، الأمر الذي يترك مساحة واسعة للحرية الإنسانية، ولا يوجد قَدَر محدَّد مرسوم لليهود خططه الإله خصيصاً لليهود منذ بدأ الكون، فإذا كان الإله مسئولاً عن انتصار عام 1967 فهو بلا شك مسئول عن أوشفيتس أيضاً، أي أن جولدمان يرى أن الإله منزَّه عن الطبيعة والتاريخ وأن الخالق لا يحلّ في المخلوق ولا يذوب فيه، ومن ثم فإن الإنسان مخيَّر وليس مسيَّراً.

ولأن جولدمان قادر على رؤية التاريخ اليهودي بهذه الطريقة، فإنه قادر على تقــييمه وعلى التهـكم على الرؤية المشيحانية الميلودرامية، فهو يعقد مقارنة بين الإنجليز واليهود فيقول: "في القرن الماضي فَقَد الإنجليز إمبراطوريتهم ولكنهم تخطوا أحزانهم، أما اليهود فقد فَقَدوا الهيكل منذ ألفي عام ولم يَكفُّوا عن النواح عليه منذ ذلك الوقت بل خصصوا يوماً للنواح، لو فَقَد اليهود إمبراطوريتهم لصاموا يوماً من كل أسبوع"، أي أنه يرى أن المركزية التي يخلعها اليهود على أنفسهم أو تخلعها الحلولية اليهودية عليهم ترهقهم تماماً وتُفقدهم إنسانيتهم وتضع على كاهلهم عبئاً ثقيلاً.

وإذا كان التاريخ ليس موضع الحلول الإلهي وإنما مجال حرية الإنسان، فلا حتميات إذن: لا حتمية في الصراع العربي الإسرائيلي، والأرض الفلسطينية ليست أرضاً بلا شعب كما ادعى الصهاينة. ومعاداة اليهود ليست خالدة ولا أزلية، كما أن يهود العالم لا يتمتعون بأية وحدة حلولية عضوية فيما بينهم أو بينهم وبين إسرائيل.

هاتان الرؤيتان (الحلولية والإنسانية) تتبدَّيان في رؤيتين متناقضتين (كما هو الحال مع الصهاينة التوطينيين). فمن حق اليهودي أن يحس بالولاء تجاه البلد الذي ينتمي إليه، ولكن من حقه أيضاً أن يشعر بالولاء تجاه إسرائيل، دون أن يشعر بأي تناقض، لأن جولدمان كان قد حرَّر يهود العالم من عبء الرؤية الحلولية فإنه قد ترك إسرائيل أسيرة دائرة القداسة، فهي تقبع داخلها. ومن ثم، فإن ولاء اليهودي ولاء سياسي تاريخي، أما ولاؤه لإسرائيل فهو ولاء ديني حلولي (ويحس جولدمان شخصياً بالولاء لجنيف العلمانية والقدس الحلولية). لكل هذا، فإن العودة لصهيون ليست مسألة حتمية أو مرغوباً فيها، فبإمكان اليهود البقاء في أوطانهم والاحتفاظ بهويتهم والدفاع عن حقوقهم. ولذا، يجب ألا يتدخل المُستوطَن الصهيوني في شئونهم.

وبدلاً من الدعاية من أجل هجرة اليهود السوفييت وإحراجهم، يجب النضال من أجل تحسين أحوالهم وضمان تمتُّعهم بحقوقهم كاملة. وبالطريقة نفسها، يجب ألا يتدخل يهود العالم في شئون إسرائيل. بل إن جولدمان يطالب بأن تكون مهمة المنظمة الصهيونية حماية اليهود في كل بلد وتأتي العلاقة مع إسرائيل في المرتبة الثانية.

ما وظيفة إسرائيل إذن في حياة يهود العالم؟ هنا يظهر موضوع المركز الروحي (فكرة آحاد هعام). فجولدمان يرى أن انفصال يهود العالم انفصالاً كاملاً عن اليهود واليهودية هو نوع من أنواع الموت من خلال القلب (مثل منفيي الروح عند بن جوريون). وحتى يتمكن القلب والروح اليهوديان من أن ينعما بالحرية، يجب تخصيص دولة تكون مركزاً روحياً تُولَد فيها أفكار جديدة وتصبح مصدر إلهام للشعب اليهودي المشتت. ويُشكِّل تَضامُن يهود العالم مع إسرائيل، أو المركز الروحي، جزءاً أساسياً في حياة كل منهما، فإذا كان وجود يهود العالم مستحيلاً بدون الدولة (فهم مهددون بالاندماج والانصهار) فوجود الدولة الصغيرة مستحيل بدون الدياسبورا (يهود العالم)، أي أن هناك مركزين لليهودية.

ورغم أن جولدمان يُلقي عبء المطلقية على الدولة الصهيونية في علاقتها باليهود، فإنه ينظر لها بطريقة أكثر تركيباً في علاقتها بالدول العربية. فقد لاحظ جولدمان أن إسرائيل تعتمد اعتماداً شبه كامل على الدول الغربية، مع أنه يرى أن على إسرائيل أن تتعامل مع الواقع العربي المحيط بها، وخصوصاًً أن الزمن لا يعمل لصالحها، فكل الانتصـارات الإسـرائيلية لم تنجـح حتى الآن في حسـم المسـألة.

وفي العصر الحديث، نجد أن كل الشعوب، حتى أصغرها عدداً، تتمتع بحق تقرير المصير الذي يجب أن يشمل الفلسطينيين. ولذا، فقد طالب جولدمان بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية (بشروط صهيونية). وعلى إسرائيل أن تقبل سلاماً رسمياً في إطار ضمانات دولية، وأن تتصرف كدولة في الشرق الأوسط، إذ لا يوجد أي مستقبل للدولة اليهودية دون تفاهُم كامل مع العرب. بل إنه طالب بأن تصـبح إسـرائيل (المركز الروحي لليهود) سويسرا الشرق: دولة محايدة تماماً وتتحرك خارج نطاق الصراعات والسياسات الدولية.

ويبرر جولدمان حياد إسرائيل على أساسين: واحد حلولي مغلق والآخر إنساني منفتح. فدولة إسرائيل المحايدة تتويج لمعاناة اليهود التي استمرت ألف عام، وحيادها سيؤدي إلى تعاون هائل بين العرب وإسرائيل الأمر الذي يجعل المنطقة تقترب من شيء يشبه المرحلة المشيحانية. أما التبرير التاريخي السياسي فهو يَصدُر عن إدراك جولدمان لعنصرين أساسيين في إسرائيل:

1 ـ لا يسكن إسرائيل أكثر من عشرين بالمائة من يهود العالم، ومن غير الواقعي تصوُّر أن أكثرية اليهود ستتجمع في إسرائيل خلال العقود المقبلة. وعلى أية حال، فبدون تضامن يهود العالم ما كان ليتم تأسيس الدولة الصهيونية، وما كان بمقدورها الاستمرار في الوجود حتى الآن. والواقع أن حياد إسرائيل المقترح يمكن أن يوفر لجميع يهود العالم مركزاً ثقافياً أخلاقياً ودولة غير متورطة في مشكلات السياسة الدولية. وبذا، يتمكن يهود العالم من الخلاص من تهمة الولاء المزدوج.

2 ـ دولة إسرائيل تشبه الشوكة في حلق العالم العربي فهي دولة (وظيفية) تدور في إطار المصالح الغربية يمكنها عرْقلة السياسة المشتركة لهذا العالم، ولو كانت إسرائيل محايدة وغير ضالعة في مسائل السياسة الدولية الأساسية لاستطاع العالم العربي قبول الأمر الواقع (أي وجود إسرائيل) على نحو أسهل.

وقبل موته بثلاثة أعوام، صرح جولدمان لمجلة ألمانية بأن إسرائيل تمثل فشل تجربة، وأنها كارثة أضخم من أوشفيتس. وقبل موته بشهر واحد، نشر إعلاناً في جريدة ليموند يدعو إلى مبادرة إسرائيلية فلسطينية للاعتراف المتبادل.

و كان جولدمان قد اعترف في كتاب له أصدره قبيل موته بعنوان " إلى أين تمضى إسرائيل " بقيمة نصر أكتوبر العظيم الذي حققه المصريون .. و قال :" إن من اهم نتائج حرب أكتوبر 1973 أنها وضعت حدا لأسطورة إسرائيل فى مواجهة العرب كما كلفت هذه الحرب إسرائيل ثمنا باهظا حوالى خمسة مليارات دولار وأحدثت تغيرا جذريا فى الوضع الاقتصادى فى الدولة الإسرائيلية التى انتقلت من حالة الازدهار التى كانت تعيشها قبل عام ، غير أن النتائج الأكثر خطورة كانت تلك التى حدثت على الصعيد النفسى .. لقد انتهت ثقة الإسرائيليين فى تفوقهم الدائم".

وفي كتاب آخر له بعنوان " المفارقة اليهودية " كان قد صدر في أواخر الستينيات ، ينصح جولدمان إسرائيل بـ " إخفاء دورها الحقيقي " ، و" تقديم نفسها كدولة شرق أوسطية محايدة ، بالنسبة للمنطقة ، وبالنسبة لجيرانها العرب" .

ومن هنا اختار جولدمان لكتابه عنوان " المفارقة " ، أي المفارقة بين المضمون والجوهر، بين جوهر إسرائيل كدولة همجية لا إنسانية ، وبين مظهرها كباحثة عن حلول إنسانية ، بين حقيقة الدور وإخفائه.

و يعترف ناحوم جولدمان ، بكل صراحة ، بصعوبة التوفيق بين دور إسرائيل و مهمتها. ولكنه يقول للحاخامات ، وللجماعات المتطرفة التي تحاول التأثير في سياسة الحكومة في تل أبيب : من الناحية الدينية ، حددتم لنا ما ينبغي عمله حتى قبل الدخول إلى الحمام ، فاتركوا لنا مجالا صغيرا للمناورة في الأمور السياسية .

وقد التقط شيمون بيريز هذه المفارقة من جولدمان ، ودعا بعد مؤتمر مدريد إلى شرق أوسط جديد بزعامة إسرائيل ، وارتفعت أصوات في تل أبيب تدعو للانضمام إلى الجامعة العربية حتى كدنا نتصور أن الصهاينة الذين وفدوا من بولندا وروسيا وبقية أرجاء العالم هم من نسل عدنان وقحطان، وفي الآونة الأخيرة التقط بوش فكرة الشرق الأوسط الجديد وعهد إلى وزيرة خارجيته تسويقها، وسمعنا عن محور في طور التشكيل، هدفه بيعنا الشرق الأوسط الجديد، وبذلك نجحت إسرائيل في مفارقة جولدمان وأخفت دورها الحقيقي تماما.

وعندما يتحدث الصهاينة عن جولدمان يقولون إنه " رئيس بلا دولة " ، بسبب وجوده في الخارج، أما المتدينون اليهود فإنهم يطلقون عليه “ريش جالوتا” أي “رأي المنفى”، وهو الاسم الذي يطلقونه على رؤساء طوائفهم الذين وضعوا، خلال المنفى البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، القواعد والأسس التي حافظت على بقاء اليهود، رغم تفرقهم في المنافي آلاف السنين.

ويضرب جولدمان للمتطرفين اليهود أمثلة على إمكانية التعايش بين المظهر والجوهر المتناقضين في حالة الفيلسوف ابن ميمون الذي حقق شهرة ونفوذا واسعين في الأندلس، وظل يهوديا حتى العظم، وفي دزرائيللي الذي ساهم في إقامة الإمبراطورية البريطانية، وظل وفيا ليهوديته، وفي كيسنجر الذي حول أمريكا إلى حاملة طائرات “إسرائيلية”، ومع ذلك فإنه يظهر، في أعين الجميع، بصورة الأمريكي المخلص لوطنه، وبيير منديس فرانس، الذي أزال الجفوة التي أحدثها ديجول بين فرنسا وإسرائيل، ثم يضرب مثلا بنفسه شخصيا، فيقول: “لقد وصفني أحد كبار الصحافيين الأمريكيين بأنني أحد زعماء الاستيطان في فلسطين، وبأنني أحد قادة المعارضة لهذا الاستيطان في الوقت نفسه، كما يضرب مثلا آخر بيهود الشتات: كل يهودي يستطيع العودة إلى فلسطين، ومع ذلك فإن الأغلبية الكبرى من اليهود لا تفكر في ذلك، إذ إن ما يقل عن 15% من اليهود يعيشون حاليا في إسرائيل.

والخطورة في آراء جولدمان التي تجد من يتبناها الآن في إسرائيل ليست فيما كان وتحقق على أرض الواقع، فهذه أشياء حدثت وتحققت، ولا نزال نعاني نتائجها حتى الآن، وإنما في محاولة تزيين دور “إسرائيل” وإخفاء دورها الحقيقي في المنطقة، تمهيدا لقبول هذا الدور والتعايش معه. وإنها لمفارقة غريبة بالفعل.