ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

موشيه شاريت

ولد موشيه شيرتوك الذي غير اسمه بعد ذلك إلى الاسم العبري شاريت في أوكرانيا بروسيا عام 1894، وهاجر مع عائلته إلى فلسطين عام 1908، واستقر في قرية عين سينيا بين نابلس والقدس. وفي تلك البيئة العربية تعلم موشيه اللغة العربية ودرس اللغة العبرية، وانتقلت عائلته في عام 1910 للعيش في مستوطنة (بيت أهوزت) داخل حيفا التي أصبحت فيما بعد النواة الأولى لمدينة تل أبيب .

و التحق بصفوف الجيش العثماني برتبة ضابط ابان الحرب العالمية الاولى، وبعدها التحق بالحركة الصهيونية العالمية حيث كان عضواً مؤسساً لحزب ماباي الصهيوني. كان في صراع دائم مع بن غوريون على تسلم زعامة الحركة الصهيونية، واتهمه الاخير بمحاولة تأخير إعلان دولة "اسرائيل".

قدم موشيه شاريت أول وزير خارجية ورئيس الورزاء الثاني لدولة الكيان قبل إنشائها جهودا كبيرة وبخاصة في تدعيم العلاقات والروابط السياسية والاقتصادية مع بريطانيا وساهم في تأسيس قواعد الدبلوماسية الإسرائيلية حينما اختير أول وزير خارجية لها عام 1949. غير أن أهم إنجازاته هو إعادة تنظيم الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية التي اختير رئيسا لها عام 1960.

كان موشيه شاريت ضمن أول دفعة من مدرسة (هرزيليا جيمانزيم) العليا وهي أول مدرسة عبرية تنشأ في فلسطين.

سافر موشيه شاريت إلى إسطنبول في تركيا لدراسة القانون، لكنه لم يكمل الدراسة بسبب الحرب العالمية الأولى واشتراكه فيها في وظيفة مترجم، واضطر للعودة إلى فلسطين والعمل ضمن وكالة يهودية متخصصة في شراء الأراضي العربية. ثم سافر شاريت إلى إنجلترا لدراسة الاقتصاد خلال الفترة من 1922 -1924.

كان موشيه شاريت يؤمن شأنه شأن المؤسسين الأوائل للدولة الإسرائيلية بالأفكار الصهيونية الداعية إلى تهجير اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة لهم في هذه المنطقة بالقوة المسلحة وبالدعم السياسي والمالي من الدول الكبرى.

وعاش ملتزما بهذه المبادئ وغيرها التي دعت إليها المنظمة الصهيونية العالمية للدرجة التي اختارته في بداية حياته السياسية رئيسا للجنتها التنفيذية في فلسطين وقبل خمس سنوات من وفاته رئيسا لها على المستوى العالمي.

بعد عودته إلى فلسطين التحق بعضوية اتحاد العمال ثم الماباي (حزب عمال إسرائيل)، وفي عام 1925 اختير نائبا لرئيس تحرير صحيفة (دافار) اليومية الصادرة عن الهستدروت, وفي الوقت نفسه المحرر المسؤول عن النسخة الإنجليزية الأسبوعية لها، واستمر في هذا العمل للمدة من 1925 - 1931.

 

عمل شاريت سكرتيراً للجنة السياسية للوكالة اليهودية عام 1931 ثم رئيسا لها حتى عام 1948، وكان جل اهتمامه خلال تلك الفترة هو تدعيم العلاقات الإسرائيلية البريطانية للحصول منها على أكبر مساعدة ممكنة سياسة وعسكرية لإقامة دولة إسرائيل.

كان شاريت مسؤول الاتصال اليومي مع سلطات الانتداب البريطاني على فلسطين، ونشط في حشد أكبر عدد من الأصوات داخل الأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الوليدة.

و بعد إنشاء إسرائيل عام 1948 كان من أهم المناصب التي شغلها شاريت قبل تعيينه رئيساً للوزراء رئاسته للمجلس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية.

و في عام 1949 اختير موشيه شاريت أول وزير خارجية لدولة إسرائيل وعمل آنذاك للحصول على اعترافات أكبر عدد من الدول ببلاده وفتح السفارات في الأماكن المختلفة من العالم ووضع قواعد الدبلوماسية الإسرائيلية الأولى. ووقع على وقف إطلاق النار بين إسرائيل والدول العربية بعد حرب 1948.

ثم ترأس موشيه شاريت الوزارة أثناء الفترة القصيرة التي تقاعد فيها بن جوريون 1954 وعمل على الاهتمام بتنشيط الهجرة اليهودية إلى إسرائيل وزيادة فرص الاستثمار داخل الدولة الوليدة. وحينما قرر بن غوريون العودة إلى الحياة السياسية مرة أخرى تنازل شاريت له عن رئاسة الوزراء وظل محتفظا بمنصب وزير الخارجية حتى عام 1956.

كما ترأس شاريت دار نشر (أم أو فيد) الإسرائيلية وأصبح مديرا لكلية (بيت بيرل) وممثل حزب العمل في حركة الاشتراكية الدولية. وفي عام 1960 اختارته اللجنة الصهيونية العالمية لرئاسة المنظمة الصهيونية العالمية والوكالة اليهودية.

وفي عام 1965 وبعد 71 عاما قضى معظمها في تأسيس الدولة الإسرائيلية توفي موشيه شاريت !!

و هكذا كان شاريت شخصية بارزة من بين الذين قاموا ببلورة إستراتيجية التيار المركزي للصهيونية. وكان يؤيد انخراط شبان يهود في وحدات الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية وكان يشارك في إقامة الكتيبة أليهودية وفي الوقت نفسه كان يؤيد المعارضة الفعّالة لسياسة الكتاب الأبيض البريطانية والتي فرضت قيودًا شديدة على قدوم يهود إلى البلاد للاستقرار فيها.

وكان شاريت يؤيّد إستراتيجية بن غوريون التي كانت تسعى إلى استقدام موجات كبيرة من القادمين الجدد "غير ألشرعيين وتحدّت بذلك السياسة البريطانية كما أنه كان يلعب دورًا هامًا في حشد التأييد الدولي لخطة التقسيم التي بلورتها الأمم المتحدة وفي ضم إسرائيل إلى الأمم المتحدة.

و كان موشيه شاريت من بين مُوَقِّعي إعلان دولة إسرائيل. وأصبح أول وزير خارجية لإسرائيل (1956-1948) وكان يترأس الوفد الإسرائيلي لمفاوضات وقف اطلاق النار بعد حرب الاستقلال .

كما حقق شاريت إنجازًا من خلال إقامة علاقات ثنائية مع العشرات من الدول وضم إسرائيل إلى الأمم المتحدة. وركز شاريت خلال توليه منصب وزير الخارجية على موضوع تلقّي التعويضات من ألمانيا ووقّع في 1952 اتفاقية التعويضات مع ألمانيا الغربية.

في 1953 ، بعد اعتزال بن غوريون منصبه وانتقاله إلى كيبوتس سْديه بوكير، عيّن حزب مباي موشيه شاريت خلفًا لبن غوريون في منصب رئيس الوزراء. واحتفظ شاريت بحقيبة الخارجية.

ورغم انسحاب بن غوريون من الحكومة فإنه بقي ناشطًا سياسيًا من وراء الكواليس خلال فترة أداء شاريت مهام منصب رئيس الوزراء والتي استمرت سنتين. وشهدت هذه الفترة قلقًا متزايدًا بسبب إقدام الدول العربية على ابتياع كميات كبيرة من الأسلحة من الكتلة السوفيتية وكذلك بسبب تزايد الضغوط الدولية الممارسة على إسرائيل كي تقدم تنازلات كبيرة في مجال حقوق المياه وتتحلى في الوقت نفسه بضبط النفس حيال اعتداءات على حدودها.

واعتبر بن غوريون أن سياسة شاريت تجاه اعتداءات متسللين على مدنيين إسرائيليين معتدلة بشكل مبالغ فيه ، في حين رأى شاريت أنه من الأهميّة بمكان اتباع هذه السياسة المعتدلة الرامية إلى تخفيف حده التوتر في النزاع العربي الإسرائيلي.

وفي 1955 شهد الخلاف بين شاريت وبن غوريون تصعيدًا ملحوظَا وأدى إلى حصول قطيعة بين الرجلين بعد ان كانا حليفين سياسيين منذ العشرينيات. وأدى هذا الخلاف الجوهري بين بن غوريون و شاريت في نهاية المطاف إلى استقالة شاريت في 1956 واعتزاله الحياة السياسية.

كان شاريت بصِفته رئيسًا للوزراء ووزيرًا للخارجية يقود النشاطات المستمرة بوتيرة سريعة لتطوير البلاد من الناحية الاقتصادية الاجتماعية ولاستيعاب القادمين الجدد وهما الموضوعان الرئيسيان اللذان ركزت إسرائيل عليهما في ذلك الحين.

وقد بادر إلى إجراء مفاوضات حول ابتياع الأسلحة لم تجن ثمارها إلا بعد اعتزاله منصب رئيس الوزراء. وأدت " فضيحة لا فون "- وهي عملية فاشلة للاستخبارات قادها وزير الدفاع دون معرفة رئيس الوزراء وألقت بظِلالها على الحلبة السياسية الإسرائيلية خلال السنوات القادمة، أدت إلى عودة بن غوريون إلى الحكومة في منصب وزير الدفاع. وفي أعقاب الانتخابات في 1955، اعتزل شاريت منصب رئيس الوزراء ولكنّه بقي وزيرًا للخارجية حتى حزيران يونيو 1956.

بعد اعتزاله الحياة السياسية أصبح شاريت رئيسًا لكلية بْنِي بْرِيت ومُديرًا عامًا لدار النشر "عام عوفيد" ( وكلاهما مؤسسة تابعة للهستدروت) وكذلك ممثلًا لحزب العمل في الاشتراكية الدولية. وفي 1960 انتخب الكونغرس اليهودي العالمي شاريت رئيسا للمنظمة الصهيونية الدولية وللوكالة اليهودية.

 

و تحت ذرائع الأمن الإسرائيلي ومفهوم إسرائيل – الخاص – لهذا الأمن ، ترتكب حكومات إسرائيل المتعاقبة المجازر المتعددة والجماعية ضد أبناء الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده ، والتاريخ يشهد على القتل الوحشي ضمن سياسة مبرمجة رسمت معالمها بدقة متناهية على أعلى مستويات القرار في إسرائيل .

وحتى نستطيع توفير الأرضية الصحيحة لفهم سياسة الاغتيالات الإسرائيلية كان لا بد لنا أن نستعرض مفهوم إسرائيل للأمن , وأساليب تبريرها لعملياتها الإجرامية استنادا إلى وثائق إسرائيلية وتصريحات قادة سياسيين وعسكريين وأمنيين سابقين وحاليين .

وقد شكلت مذكرات رئيس وزراء إسرائيل "موشية شاريت" ووزير خارجيتها قبل ذلك لسنوات طويلة حتى عام 1956 وثيقة مهمة بل وفاضحة للأعمال الإسرائيلية والفكر الإسرائيلي ومخططاته في التعامل مع القضية العربية.

إن مقولة الأمن الإسرائيلي تعني في نظر إسرائيل استمرار ميل ميزان القوى في المنطقة بشكل جذري يكفل لإسرائيل أن تكون القوة العظمى في هذه المنطقة من العالم .

ولتحقيق هذه الغاية وظفت إسرائيل كل إمكاناتها الدبلوماسية والمالية والإعلامية لترسيخ قناعات في الذهنية الغربية وهي الأمن ألإسرائيلي ومقولة إصرار العرب على تدمير دولة إسرائيل وإبادة اليهود , وقذفهم في البحر ، وكان الهدف أن يغذي هذان العنصران كلا منهما الآخر .

وكون إسرائيل هي قاعدة استعمارية لتحقيق مصالح الدول الطامعة في السيطرة على هذه البقعة الاستراتيجية من العالم لاستغلال مقدرتها ، ونهب جيرانها، فأنه اصبح لزاما على هذه الدول الطامعة الاستمرار في الحفاظ على إسرائيل كقوة رادعه تكفل تحقيق الهدف الذي أنشئت من اجله .

ولتحقيق الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي لجأت إسرائيل إلى طرق متعددة منها : -

* توسيع احتلالها للأرض العربية عن طريق الحرب المحدودة الحجم أو الواسعة النطاق ، حسب المعطيات الدولية والإقليمية لكل خطوة .

* القيام بعمليات جوية لتدمير مواقع ومراكز قد تكون سببا في تغيير موازين القوى ، أو أي تشكل لقوة عربية رادعة للقوة الإسرائيلية المتنامية .

* توظيف كل الطاقات لتقسيم العالم العربي وخلق أنظمة عربية تساهم في إضعاف الوحدة العربية من جهة ، وتساعد على تقوية إسرائيل ومناعتها الإقليمية .

* الاستمرار في العمل على تطوير القدرة العسكرية الإسرائيلية وتحسين أدائها في المجال التقليدي وحتى النووي ، واستخدام التطور العلمي لتحقيق ذلك محلياً أو استيراد احدث ما توصلت إليه الصناعات الحربية العالمية .

 

 

واستنادا إلى مفهومها للأمن الإسرائيلي صاغت إسرائيل نظرية "الحدود الجغرافية الآمنة "

هذه النظرية الصهيونية تعني السيطرة على موانع طبيعية : كالجبال أو الأنهار ، أو احتلال مساحات واسعة من الأرض العربية التي توفر لإسرائيل عمقا استراتيجيا أثناء الحرب ، وحماية إسرائيل من أي هجمات قد تصل إلى العمق الإسرائيلي .

وفي هذا السياق يقول موشية ديان وزير خارجية حكومة بيغن عام 1977 : " إن ضمانات إسرائيل ووجودها هي الأراضي التي تحتلها ، وكيف يمكن لإسرائيل أن تعيد هذه المناطق دون أن تكون محمية" .

وكانت إسرائيل قد سعت منذ نشأتها للسيطرة على بقية الأراضي الفلسطينية لهذا الغرض. ففي السادس والعشرين من أكتوبر سنة 1953 قام مأتي بيلد أحد المسؤولين الإسرائيلين في الوكالة اليهودية آنذاك , بإلقاء محاضرة على مجموعة من القادة الصهاينة الأمريكيين حول آمن إسرائيل ومتطلباته ، فكتب موشيه شاريت رئيس وزراء إسرائيل سنة 1965 ووزير خارجيتها لسنوات طويلة قبل ذلك :" إن كان لتلك المحاضرة نتائج واضحة :

النتيجة الأولى:أن الجيش الإسرائيلي يعد لشن حرب يحتل بها بقية "ارض إسرائيل الغربية "

وفي المداولات التي أجراها زعيم إسرائيل ومؤسسها دافيد بن غوريون في أكتوبر من سنة 1952 وبمشاركة وزير الخارجية موشيه شاريت وكبار موظفي الخارجية والجيش قرر بن غوريون سلم الأولويات وهي: مصلحة إسرائيل الأساسية هي وجودها ، والثاني العلاقات مع الولايات المتحدة ، وفي المرتبة الثالثة يأتي السلام مع العرب .

ولما كان هذا الفهم الإسرائيلي لموضوع الأمن والحدود الآمنة يعود بالنفع الكبير على إسرائيل بما يجعلها الدولة الأقوى في هذه المنطقة فإنه يصبح من الطبيعي أن ترفض إسرائيل كل ما من شانه إن يقيد تطبيقها لهذا المفهوم، ويفقدها مبررها لتصدير أزماتها الداخلية من جهة ، ويفقدها إمكانية استمرار الدعم الأوروبي والأمريكي من جهة أخرى . ويوضح ديان هذا قائلا " إن العمليات الانتقامية التي تقوم بها اسرائيل هي أكسير الحياة بالنسبة لها ".

إن الأمن هو المبرر الذي تتذرع به إسرائيل للقيام بكل الأعمال العسكرية من احتلال وتدمير، وقتل , وأبعاد , وإنشاء المستوطنات وغير ذلك من أشكال التعسف والإجرام الإسرائيلي , وبالرغم من أن أمن الدول العربية هو المهدد حقيقة لميل ميزان القوة العسكرية لصالح إسرائيل ، فان إسرائيل نجحت أن تبقي الأمن الإسرائيلي هو مركز الحوار والجدل الدولي ، ورغم إدراك القادة الإسرائيليين لعدم قدرة العرب على مواجهتهم إلا إن هذا لا يزيدهم إلا تشبثا بمفهومهم للآمن وترويج هذا المفهوم عالميا ، وحسبنا أن نوثق هنا مواقف وآراء قادة إسرائيل وصناع قرارها السياسي والعسكري لسنوات طويلة وهم يعترفون فيها أن استخدام العنف والهجمات المسلحة التي تمارسها إسرائيل هو لإثارة وخلق صورة التهديد العربي لوجود إسرائيل .

 

يقول وزير خارجية إسرائيل ورئيس وزرائها الأسبق موشيه شاريت ما نصه :- " لقد كنت شريكا في السلسلة الطويلة من الحوادث المفتعلة والاعتداءات التي اختلقناها ، بل وفي العديد من الاشتباكات التي أشعلناها والتي كلفتنا الكثير من الدماء ، بل وفي انتهاكات القوانين من قبل رجالنا والتي كلها أسهمت في أحداث المصائب العظام، وحدوث المسار الكلي للأحداث ، وشاركت في خلق أزمة الأمن " .

و يعود إلى شاريت نقل جانب كبير من سياسة إسرائيل الخارجية إلى أفريقيا ليبدأ على يديه التغلغل الإسرائيلي ، في القارة السمراء ، و الذي أصبح ورماً سرطانياً في حسد القارة !!

ففي النصف الثاني من الخمسينيات بدأ يتبلور لدى الإسرائيليين ما عرف بالاتجاه الأفريقي في السياسة الخارجية الصهيونية ، تزعمه موشيه شاريت وزير الخارجية في ذلك الحين . و ذلك كردة فعل على مؤتمر باندونغ الذي عقد عام 1995 والذي برز فيه دور مصر الأساسي بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، بالإضافة إلى دول آسيوية أبرزها الهند وإندونيسيا. الأمر الذي أثار مخاوف الإسرائيليين وشجع على قيام العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 و الذي كان من نتائجه فتح مضائق تيران أمام الملاحة الصهيونية في البحر الأحمر .

من هنا ارتبط اهتمام شاريت بأفريقيا بمعيار اقتصادي يضاف إلى المعيار السياسي والجيوستراتيجي. إذا كان بن غوريون قد هلل لسياسة شاريت ، و علق في حينه بقوله : “ إن أفريقيا أصبحت بعد تأمين حرية الملاحة في مضيق ايلات تحتل الأولوية في علاقات إسرائيل الدولية لأن هذه العلاقات ستحقق نتائج غاية في الأهمية لكلا الجانبين " ، فقد قال شاريت : " إن أفريقيا تشكل من وجهة نظرنا, ميدانا مهماً لا ينبغي أن نسمح بنشوء فراغ فيه بعد حصول أقطارها على الاستقلال ، لأن ملء هذا الفراغ من قبل قوى غير صديقة سيعتبر نكسة لنا " !!

ويضيف شاريت : " إن اهتمامنا بأفريقيا نابع, أيضاً من الروابط التاريخية التي يعود بعضها الى الماضي السحيق و بعضها إلى مطلع هذا القرن, حيث عرضت أقطار أفريقية مثل كينيا على الحركة الصهيونية لتكون وطناً ينفذ فيه مشروع الانبعاث القومي " !!