ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

موسى هس

موسى أو موشي هس هو اليهودي الذي نقل الصهيونية من عالم النظريات الى الواقع الحركي .

ولد عام 1812 في مدينة بون في المانيا، تلقى تربية دينية على جده في طفولته، درس في مرحلة شبابه الفلسفة في جامعة بون. كان صديقاً لكارل ماركس وجمع بينهما اقتناعهما بالفكر الإشتراكي. كان هذا في مرحلة تفتحه على المناخات الفكرية التي كانت سائدة وقتذاك.

ومع بداية عقد الخمسينات تراجع هس عن أفكاره الإشتراكية وتحول الى دراسة اليهود واليهودية، وفي سنة 1862 أصدر كتابه الشهير " روما والقدس " الذي ضمنه اراءه حول الواقع اليهودي ، هذه الاراء التي شكلت إحدى أهم ركائز الحركة الصهيونية لاحقاً.

وقد عبر هس في كتابه عن تحوله الى اليهودية بقوله : " لقد تبين أن العاطفة التي ظننت أني قد كبتُّها عادت الى الحياة من جديد، تأججت هذه العاطفة نصف المخنوقة في صدري محاولة التعبير عن نفسها " .

ويضيف في توصيف هذه العاطفة على أنها " التفكير في قوميتي التي ترتبط برباط لا تنفصم عراه بتراث أسلافي، وبالأرض المقدسة، وبالمدينة الخالدة ".

وأما عن اليهود واليهودية ومركزهما من هذا العالم فإن هس، الذي صنف على أنه أبرز المبشرين بالحركة الصهيونية، يقول في هذا الصدد: " إن تاريخ الإنسانية أصبح مقدساً من خلال اليهودية التي هي أساس الحضارات والأديان.. واليهود وحدهم بين الشعوب قادرون على السمو ، لأنهم يمتلكون بوحي من روح الله موهبة مميزة في الرؤى الاجتماعية ، كما هي العبقرية اليونانية في الابداع الفني ".

ويواصل هس تنكره لمنطق الحقائق الإنسانية والإلهية، وركونه أو استسلامه لعاطفته المريضة التي أذابت شخصيته في قالب عنصري خالص، وذلك عندما يتوجه الى بني قومه بدعوتهم للقدوم الى الشرق لتخليص شعوبه من حياة التخلف كما يزعم:

" أنتم يجب أن تكونوا حملة الحضارة الى الشعوب البدائية في اسيا، وأساتذة العلوم الأوروبية التي أضاف شعبكم اليها الكثير. أنتم يجب أن تكونوا الوسطاء بين أوروبا والشرق الأقصى. إفتحوا الطرق المؤدية الى الهند والصين، تلك المناطق المجهولة التي يجب أن تفتح أخيراً أمام المدنية " .

وعن " أرض الأجداد " المزعومة في فلسطين فإنه يتوجه الى اليهود، من موقعه كمفكر وفيلسوف يحظى بإحترام يهود أوروبا في تلك الحقبة، بنداء صريح بضرورة العمل للعودة الى " أرض الأجداد ".

وقد عُد نداؤه هذا ، بالإضافة الى ما تضمن من أفكار غاية في العنصرية والشوفينية، من أخطر النداءات التي فتحت باب التحضير الفعلي للهجرة والاستيطان في فلسطين على مصراعيه، ومما جاء فيه: " تقدموا الى الأمام أيها اليهود من كل الدول، إن أرض أجدادكم تناديكم، أواه! كم سيرتجف الشرق لدى قدومكم .. أنتم سوف تصبحون الدعامة الخلقية للشرق . أنتم كتبتم كتاب الكتب – التوراة - دعوا حكمة الشرق القديمة، دعوا كتاب زند زرادشت، بالإضافة الى القران ، وهو أكثرها حداثة، والأناجيل، دعوها تتجمع حول توراتكم ، فهذه كلها سوف تتطهر من كل خرافة ". وينهي نداءه بعبارات جوفاء يعظم فيها اليهود ويمجدهم: " أنتم قوس النصر للحقبة التاريخية المقبلة، الذي سوف يُكتب تحته عهد الإنسانية العظيم، ويختم في حضوركم كشهود على التاريخ والمستقبل " !!

و من أقوال موسى هس الشائعة انه قال :

" نفوس البشر آتية من نفوس نجسة، أما نفوس اليهود فمصدرها روح الله المقدسة " .

و قال : " الشعب اليهودي جدير بحياة الخلود، أما الشعوب الأخرى فإنها أشبه بالحمير ".

و قال أيضاً :

" نحن شعب الله في الأرض سخر لنا الحيوان الانساني وهو كل الأمم والأجناس. سخرهم لنا لأنه يعلم أننا نحتاج الى نوعين من الحيوانات نوع كحجم الدواب والانعام والطير، ونوع كسائر الأمم من أهل الشرق والغرب ".

و قد أصدر موسى هس سنة 1862 كتاباً باللغة الألمانية أسماه "بعث إسرائيل" دعا فيه إلى قومية يهودية لتحرير القدس وعودة اليهود إلى وطنهم القديم، وإقامة المستوطنات في فلسطين تمهيداً لإقامة الدولة اليهودية في فلسطين تحت الحماية الفرنسية. وفي هذا يقول: " إنّ الأمم المسيحية لن تعارض إطلاقاً إنشاء وطن لليهود في فلسطين ، طالما أنّ ذلك يضمن لها التخلص من شعب غريبٍ شاذ يسبب لها المشاكل الكثيرة. إنّ من مصلحة فرنسا أن يستوطن الطريق التجاري المؤدي إلى الهند والصين شعب موال تماماً لمصالحها الاقتصادية والحضارية، وستكون فرنسا صديقتنا المخلصة التي ستعيد لشعبنا مكانته في تاريخ العالم".

و يعد موسى هس أحد أهم من وضعوا أسس المشروع الصهيوني و خاصة الأسس الفكرية: ويمكن تلخيص أفكاره التي مهدت للحركة الصهيونية في دعوته في كتابيه " روما والقدس " ، و " مشروع استعمار الأراضي المقدسة " إلى ما أسماه القومية اليهودية على أساس العرق والدين ، ورفض فكرة الاندماج ، وطالب بتأسيس مستعمرات من السويس للقدس ، ومن الأردن إلى ساحل البحر المتوسط. وأن يكون المشروع الصهيوني الاستعماري كحلقة من المشروع الأوروبي الأشمل !!

وها هو هس يقول : الشعب اليهودي جدير بحياة الخلود اما الشعوب الاخرى فأشبه بالحمير " !!

ومن خلال أصدار كتابه "روما والقدس" عام 1862 ، أرسى هس دعائم القومية اليهودية على أساسي الدين والعرق اليهودي، ويعتبر "هس" الأب الحقيقي للقومية اليهودية والدعـوة الصهيـونية الحـديثة. وقـد أعلـن "هرتزل" عن رأيه في كتابات "هس" فقال: "بأن كل ما حاولناه يمكن العثـور عليـه في آثاره."