ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

لــي وبنســكر – رائد الصهيونية التسللية

طبيب روسي صهيوني استيطاني تسللي وزعيم جماعة أحباء صهيون. وُلد في روسيا ، وكان أبوه مدرساً وعالماً، كما كان يعمل بالتجارة وقد انتقل إلى مدينة أوديسا بعد فشله في أعماله التجارية في جاليشيا، وكانت أوديسا مدينة روسية جديدة تتسم بارتفاع معدلات العلمنة والاندماج بين أعضاء الجماعة اليهودية، فزود ابنه بثقافة روسية علمانية وعرَّفه بأفكار حركة الاستنارة اليهودية، كما تعلَّم بنسكر اللغة الألمانية (وهي لغة الحديث في المنزل) وتعلَّم قليلاً من العبرية. ولم يتعلم بنسكر في مدرسة يهودية (كما هو الحال مع معظم المفكرين والزعماء الصهاينة)، وإنما أنهى دراسته الثانوية في مدرسة روسية ثم درس الحقوق في أوديسا ودخل جامعة موسكو لينال منها شهادة طبية .

وقد كتب بنسكر عدة مقالات في راسيفيت وهي أول مجلة أسبوعية يهودية تصدُر بالروسية (بدأ نشرها عام 1860)، وكتب أيضاً في مجلات يهودية أخرى ذات طابع اندماجي، كما قام بجهود كبيرة كعضو في جمعية تنمية الثقافة بين يهود روسيا. وخدم بنسكر في الجيش الروسي أثناء حرب القرم (1856)، وساهم في حركة الترويس، وقد كان يرى أن اليهود إن تعلموا اللغة القومية فإن ذلك سيساهم في دَمْجهم.

ولكن أحداث عام 1871 في أوديسا زعزعت إيمانه. ومع تعثُّر التحديث وصدور قوانين مايو 1882، تغيَّر موقفه بشكل جوهري وعدل عن كثير من آرائه، وبدأ الشك يساوره في مقدرة الاستنارة وحدها على حل مشاكل اليهود. وفي عام 1881، وفي أحد اجتماعات جماعة تنمية الثقافة، طالب بنسكر بالعدول عن هذه السياسة واقترح إعادة توطين اليهود في وطن واحد. وبدأ بنسكر في التجوال في عواصم أوربا للدعوة لفكرته بشأن الدولة الصهيونية، فقابل الحاخام أدولف جلينك، حاخام فييـنا الأكبر وصـديق أبيه، فأشار هذا عليه بإخضاع نفسه للعناية الطبية. وقابل زعماء الأليانس وبعض القادة اليهود ولكنهم عارضوه. ومع هذا، فقد ألف بالألمانية كراسة الانعتاق الذاتي: تحذير من يهودي روسي لإخوته (1882) الذي نُشر دون ذكر اسم المؤلف لأنه كان مُوجَّهاً أساساً إلى يهود الغرب. والكراس يأخذ شكل المانفستو، ولذلك فإنه خال من أيِّ عمق.

ويتميَّز كراس بنسكر بأنه لا ينظر إلى اليهود من الداخل باعتبارهم جماعة مستقلة (كما يفعل بعض مثقفي يهود اليديشية) وإنما ينظر إليهم من الخارج كما ينظر إليهم الصهاينة غير اليهود. وقد تعلَّم بنسكر تعليماً غربياً وكان ذا هوية غربية، واليهود واليهودية بالنسبة إليه موضوعا للدراسة أساسا، وهوية فرضت عليه فرضا من الخارج. وعلى أية حال، فبالإمكان تصنيفه على أنه صهيوني يهودي غير يهودي.

يضع بنسكر الموضوع اليهودي في سياقه الغربي وحسب وينطلق، مثله مثل معظم الصهاينة، من رفض اليهودية التقليدية والتفكير الديني اليهودي. فهو يعلن ضرورة التخلص من موقف الانتظار وضرورة الثورة ضد الشعور الديني القديم الذي يدفع اليهود إلى تقبُّل وَضْعهم ووجودهم في المنفى باعتباره عقاباً أنزله الإله بهم "فشعب الله المخـتار إن هو إلا شـعب مختار للكراهية العالمية". ولذا، يجب على اليهود التخلي عن الفكرة المغلوطة القائلة بأن اليهود بتشتتهم هذا يحققون رسالة إلهية، فتلك الرسالة لا يؤمن بها أحد.

ويُقدِّم بنسكر طرحاً مغايراً تماماً للرؤية الدينية، فينظر لليهود في سياق وضعهم الهامشي في المجتمع الغربي، وفي إطار التحولات التي طرأت على هذا المجتمع (التصنيع والتحديث والتنوير والإعتاق والعلمنة) والتي أدَّت إلى ظهور المسألة اليهودية في إطار فكرة الشعب العضوي المنبوذ من المجتمع الغربي. فهو يقول إن اليهود شعب عضوي لا يمكن أن يذوب في الأمم الأخرى، ولذا فهو يعيش في بلاد لا تعترف به ابناً لها، فالألماني الفخور بصفاته التيوتونية والسلافي الفخور بصفاته السلافية وغيرهم لا يعترفون بأن اليهودي يتساوى معهم بالمولد، فهذه القـوميات العضـوية تجعـل الانتماء القومي مسألة عضوية موروثة. واليهود، رغم أنهم شعب عضوي، إلا أنهم يفتقرون إلى كثير من الصفات القومية العضوية (لغة وعادات مشتركة وأرض مشتركة) كما أنهم ليس لهم وطن أصلي ولا حكومة تمثلهم، ولهذا تحوَّلوا من أمة يهودية إلى يهود، وأصبحوا بذلك شعباً ميتاً: فقدوا استقلالهم وتحولوا إلى حالة التعفن التي لا تستطيع مسايرة العضو الحي المتكاسل. وهم "شبح" يأتي من عالم الأموات (ولنلاحظ أن كل الصور المجازية الإدراكية هنا صور مجازية عضوية). ثم تتري الصور المجازية التي تدل على تقبُّل بنسكر مقولات معاداة اليهود: "إننا قطيع منتشر في أرجاء المعمورة دونما راع يحمينا ويجمعنا معاً. أما في أحسن الظروف، فقد نصل إلى مرتبة الماعز التي تبيت (حسـب التقليد الروسـي) في إسطبلات الخيل"، وإذا بقيت الظروف على ما هي عليه "فسنظل طفـيليين نعـتمد في معيـشتنا على بقية السكان". وهذا هو أس البلاء، فما دام اليهود عنصراً قومياً غريباً، ضيوفاً على أمم مضيفة، فإنهم سيظلون محط كراهية كل الشعوب لأن الناس تخاف من الأشـباح.

ومن الواضح أن وَصْف بنسكر متأثر بتجربة يهود شرق أوربا، وخصوصاً في روسيا، فقد كانوا يعيشون في مناطق الاستيطان على هامش المجتمع الروسي: "منبوذون... لا يُطبَّق عليهم القانون العام باعتبارهم أغراباً بمعنى الكلمة. فثمة قوانين خاصة باليهود". وقد يكون في هذا الوصف شيء من الموضوعية التقريرية المباشرة، ولكنه يعزل أعضاء الجماعات اليهودية عن الظواهر المماثلة في المجتمع الروسي وفي المجتمعات الأخرى، ويجعل الاضطهاد حكراً على اليهود في كل مكان. وما دام اليهودي لا وطن له في أي مكان وليس له حقوق المواطنة، فإنه منبوذ في كل مكان وزمان. فالخوف من الأشباح، أي معاداة اليهود، أمر أزلي ينتقل من جيل إلى آخر ويقوى عبر العصور. كما أن بنسكر نفسه يقول: "تظهر هذه الفكرة في كل زمان ومكان".

وما الحل الآن؟ يرفض بنسكر مرة أخرى الحلول التقليدية مثل الهجرة الفردية: "كافحنا عبر القرون بجهد كي نحيا لكن كأفراد وليس كأمة". كما يرفض بنسكر فكرة الاستيطان الديني التقليدي الذي كان يُموَّل بأموال الصدقة (الحالوقاه)، فمشروعه الصهيوني المقترح لا يتم "بجمع التبرعات من الحجاج والهاربين الذين سينسون وطنهم ومن ثم سيضيعون في أعماق غربة أرض مجهولة".

الحل هو التخلص من اليهود من خلال تصفيتهم، ومن اليهودية من خلال التخلي عنها تماماً. "نحن نرضى التخلي عن (رسالتنا الإلهية) إذا أمكن محو اللقب الممقوت «يهودي» من ذاكرة الإنسان". وقد ذكر بنسكر هذه الكلمات في لحظة غضب، ولكنه يهدأ ويبدأ في اقتراح الطرق المنهجية الكفيلة بتحقيق هذا الهدف "لابد أن تتعـامل الأمم مــع أمة يهــودية" ولابد من "خَلْق مأوى دائم". و"الطريق الوحيد الصحيح لإصلاح الوضع هو خلق قومية يهودية مؤلفة من شعب يعيش على أرض يملكها". أما بالنسبة إلى آليات هذا الحل، فهو أولاً لن يأتي من الإله وإنما سيتم بالانعتاق الذاتي (عنوان الكراسة). ويُلاحظ بنسكر أن الجو العام في أوربا قد خلق مناخاً مواتياً لحركة البعث القومي. فالفكرة القومية في كل مكان، كما أن اليهود يشعرون بالبؤس في كل مكان أيضاً.

ولكن الحل الذي يطرحه بنسكر لنقل اليهود خارج أوربا يثير عدة مشاكل من بينها أن الشعوب التي نالت استقلالها مؤخراً هي أمم عاشت على أرضها وكانت تتكلم لغة واحدة، فكان لها بذلك أرض. أما اليهود فلا أرض لهم، ولابد من خلق هذه الأرض.

وثمة عدة مؤشرات كامنة في كراسة بنسكر تحدد هوية هذه الأرض وهوية من يهاجر إليها وآليات النقل:

من الواضح أنه، حينما يفكر في الحركة القومية، يفكر أيضاً في تقسيم الدولة العثمانية، فهو يفكر في الصرب وأهل رومانيا وحصولهم على الاستقلال. ومن ثم، فالأرض هي في غالب الأمر أرض فلسطين.

وهو يضيف قائلاً إن تحرير اليهود واجب كواجب تحرير الزنوج. ومع هذا، فإنه يضيف أن اليهود ينتمون إلى عرْق متقدم وليسوا زنوجاً، أي أنهم عنصر استيطاني أبيض.

ومعظـم البـلاد المتحـضرة سوف لا تقبل هجرة اليهود الجماعية إليها، أي أن الدول الغربية ستوقف سيل يهود اليديشية إليها.

ولكن إذا لم يكن اليهود زنوجاً، ومع هذا ترفض الدول المتحضرة (البيضاء) هجرتهم إليها لأن وجود اليهود بينهم يسبب لهم المشاكل (المسألة اليهودية)، وإذا كانت الدولة العثمانية آخذة في التآكل (المسألة الشرقية)، وكان المشروع الصهيوني لن ينشأ بشكل عشوائي وإنما سينشأ بمعاونة الحكومات، فإن الحل سيكون كامناً في ربط المسألة اليهودية بالمسألة الشرقية فتُحَل المسألتان الواحدة من خلال الأخرى.

ويرى بنسكر ضرورة أن نلفت "أنظار الشعوب التي تمقتنا"، أي يجب تجنيد أعداء اليهود من الشعوب الغربية، كما يجب أيضاً الضغط على السياسة الدولية في الوقت الحاضر فستظهر نتيجته المثمرة في المستقبل. أي يجب الاستعانة بالدول الغربية، فالسياسة الدولية هي السياسة الإمبريالية الغربية.

وحينما يقول "امنحونا متعة الاستقلال واسمحوا لنا أن نقرر مستقبلنا، وأعطونا قطعة من الأرض، امنحونا تلك الأشياء التي منحتموها للصرب وأهل رومانيا، أعطونا مجال وجود القومية الحرة" فنحن نعرف أنه يتوجه للقوى العظمى الاستعمارية (وإن لم يدرك هو ذلك تماماً)، فهي وحدها القادرة على توطين الفائض البشري خارج أوربا. وهو يطلب رقعة في الولايات المتحدة أو ولاية كتلك التي يقوم عليها باشاوات آسيا التركية، يعترف بها الباب العالي والعالم الغربي كبلد محايد. ثم يضيف: وستكون مهمة الإدارة الصهيونية المقترحة إقناع الباب العالي والحكومات الأوربية بهذا المخطط.

ثم يطرح بنسكر عدة قضايا متصلة بالتنظيم والإجراءات الأخرى، مثل تأسيس مجلس وطني أو مؤسسة وطنية تقوم بوضع السياسة العامة ثم تؤسس شركة لشراء قطعة الأرض، والإشراف على أمور الاستيطان لشراء الأراضي وغير ذلك، وهي أمور كانت تُعتبَر جديدة كل الجدة على اليهود، لأنه حديث عن آليات العودة بشكل حديث لم يألفوه من قبل.

ولكن الأهم من ذلك هو حديثه عن الأرض فهو يقول يجب ألا يكون الحديث عن الأرض المقدَّسة وإنما عن مجرد أرض نملكها، أرض ذات مركز جيد ومساحة كافية لإسكان عدة ملايين تحددها بعثة خبراء تعطي رأيها بعد تحريات ودراسات عميقة. إن علمانية المصطلح وحداثته كان أمراً جديداً كل الجدة. ومع هذا، يتدارك بنسكر ويقول قد تعود الأرض المقدَّسة لنا، فإذا حدث هذا الشيء فهو أفضل بمعنى أنه لا يرفض تماماً الصهيونية الإثنية ويترك الباب مفتوحاً أمامها.

وقد توقَّع بنسكر معارضة معظم اليهود، ولذلك حاول أن يكون برنامجه أكثر وضوحاً وتفصيلاً إذ يفرِّق بين الصهيونيتين، فقسَّم اليهود إلى غربيين مندمجين (سعداء)، وشرقيين (بؤساء).

أما بالنسبة للفريق الأول فهم اليهود الغربيون الذين يكوِّنون نسبة قليلة من السكان، ولذلك فحالهم في البلاد التي يعيشون فيها أحسن، ومن الأفضل لهم ألا يهاجروا. أما البلاد التي بلغ اليهود فيها درجة التشبع مثل روسيا (وبولندا التي كانت تتبعها)، ورومانيا (أي شرق أوربا)، فمن الأفضل لهم الهجرة (وهكذا يبدأ تقسيم العمل إلى صهيونية استيطانية وأخرى توطينية).

فالحديث ليس عن كل اليهـود وإنما عـن اليهـود غير المندمجــين في المجتمع والفائضين عنه، الذين يجب إرسالهم إلى مكان آخر (الوطن القومي) لأنهم كبروليتاريا تعيش عالة على أعضاء المجتمعات المضيفة. بل يضيف بنسكر بُعداً آخر يبلغ الغاية في الأهمية إذ يقرر أنه حتى أغنياء شرق أوربا بإمكانهم البقاء حيث هم، ومعنى هذا أنه يعرِّف الفائض إثنياً وطبقياً وليس قومياً.

ويمكن القول بأن كثيراً من عناصر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة قد ظهرت في كراس بنسكر. ومن هنا أهميته في تاريخ الفكر الصهيوني، فقد أسقط المقولات الدينية التقليدية ونزع القداسة عن اليهود واقترح ربط المسألة الشرقية بالمسألة اليهودية باعتبارهم شعباً عضوياً منبوذاً وعنصراً استيطانياً أبيض، أي أنه يقترح أن يتم الحل داخل التشكيل الاستعماري الغربي. بل يترك الباب مفتوحاً أمام الأشـكال الصهيــونية الأخرى (الصهيونية الإثنية الدينية وغيرها)، ويضع يده على ضرورة وجـود صهيونيتين؛ واحـدة اسـتيطانية والأخرى توطـينية.

ومع هذا، ظلت صيغة بنسكر مترددة متعثرة، ربما بسبب تكوينه الثقافي الضيق، فالأفق الثقافي في روسيا القيصرية كان ضيقاً إلى أقصى حد، وكان أكثر ضيقاً داخل المدن اليهودية ومواطن الاستيطان. ولذا، فإنه لم يكن لديه إدراك كامل لحتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية لوضع أي مشروع استيطاني موضع التنفيذ. فالمشروع الاستعماري الروسي لم يكن على استعداد لتوظيف اليهود لصالحه، بل كان يود التخلص منهم في أسرع وقت. كما أنه لم يكن مشروعاً عالمياً كما كان الحال في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة، إذ أن المطامع الروسية القيصرية كانت تتجه نحو دول البلطيق والمناطق التي تفصل بين روسيا واليابان والصين والدولة العثمانية.

أما فلسطين فقد كان الروس ينظرون إليها باعتبارها منطقة نفوذ أرثوذكسية، وهو ما يتطلب استبعاد اليهود. ولذا، فرغم أن كل أفكار هرتزل الأساسية موجودة في الانعتاق الذاتي إلا أن هرتزل قد حقق ما لم يحققه بنسكر لأنه كان مدركاً لحتمية الاعتماد على الإمبريالية الغربية باعتبارها الآلية الوحيدة لتحقيق الحلم الصهيوني.

وقد أصبح بنسكر زعيم جمعية أحباء صهيون ودُعي إلى مؤتمر كاتوفيتش 1884، وانتُخب رئيساً للجمعية. ولكن حينما نشبت بعض الخلافات داخل الجمعية، قدَّم استقالته عام 1887 ثم سحبها خشية أن تسيطر العناصر اليهودية الأرثوذكـسية، تحت قيادة موهيليفر، على الجمعية. وقد استقال ثانيةً عام 1889 إثر اختيار قيادة جديدة للحركة، ولكنه عاد مرة أخرى بعد سماح السلطات الروسية بإنشاء لجنة أوديسا.

وخلال رئاسته، تمكنت الجمعية من جَمْع بعض الأموال لإقامة مستعمرات في فلسطين، ومهدت السبيل أمام الاستيطان الصهيوني، كما تأسست في روسيا «جمعية تقديم المساعدات للمستوطنين الزارعيين وأصحاب الحرف اليدوية اليهود في سوريا وفلسطين» التي كانت تُعرف بلجنة أوديسا.

وقد زار بنسكر باريس وأقنع روتشيلد بمساعدة الاستيطان اليهودي، ونظراً لأن الأموال التي جمعتها جماعة أحباء صهيون كانت قليلة جداً (فهي لم تكن حركة جماهيرية)، فإن معظم المستوطنات كانت في نهاية الأمر قد أصبحت تابعة لروتشيلد. كما أن بنسكر تابع مشاريع البارون موريس دي هيرش لتوطين اليهود الروس في الأرجنتين باهتمام شديد.

ويُعَدُّ بنسكر مفكراً صهيونياً أكثر من كونه منفذاً للمشروع، وصهيونيته هي من النوع الذي يُطلق عليه «الصهيونية العملية» أي «التسللية»، كما أن أسلوبه وأفكاره يشبهان أفكار وأسلوب هرتزل إلى حدٍّ كبير، لكن هرتزل قد دوَّن في مذكراته أنه لم يطَّلع على كتابات بنسكر. ولعل الفارق الأساسي بينهما هو مدى إدراك حتمية الاعتماد على الإمبريالية، إذ كان بنسكر يتحرك داخل وهم الانعتاق الذاتي التسللي.