ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

لــورد شافتسـبري..

هو أنتوني أشلي كوبر، لورد شافتسبري السابع. واحد من أهم الشخصيات الإنجليزية في القرن التاسع عشر، ومن أهم المصلحين الاجتماعيين. يقول عنه المؤرخ الإنجليزي تريفليان إنه كان يُعَدُّ أحد أهم أربعة أبطال شعبيين في عصره. وقد كان شافتسبري، بالإضافة إلى هذا، شقيق زوجة رئيس الوزراء بالمرستون الذي كان يثق فيه تماماً ويأخذ بمشورته. وقد كان شافتسبري زعيم حزب الإنجيليين. ولذا، فإننا نجد أن اليهود كانوا أحد الموضوعات الأساسية في فكره كما كانوا محط اهتمامه الشديد. وكان خطاب شافتسبري خليطاً مدهشاً من العناصر الاجتماعية والأساطير الدينية حيـث تَداخَل في عـقله الوقت الحاضر والزمان الغابر والتاريخ المقدَّس، وقد كان هذا الخطاب يَصدُر عن فكرة الشعب العضوي المنبوذ بشكل لم يتحقق كثيراً في كتابات أي صهيوني آخر (يهودياً كان أم غير يهودي). ينظر شافتسبري إلى اليهود من داخل نطاق العقيدة الألفية والاسترجاعية بعد علمنتها تماماً، فاليهود يكوِّنون بالنسبة إليه شعباً عضوياً مستقلاًّ وجنساً عبرياً يتمتع باستمرار لم ينقطع، ولكنهم لهذا السبب أصبحوا جنساً من الغرباء (المنبوذين) المتعجرفين سود القلوب المنغمسين في الانحطاط الخلقي والعناد والجهل بالإنجيل. وهم ليسوا سوى "خطأ جماعي". ولكل هذا، عارض شافتسبري مَنْح اليهود حقوقهم المدنية والسياسية في إنجلترا.

ولكن ثمة علاقة عضوية بين هذا الشعب وبين بقعة جغرافية محددة هي فلسطين. ولهذا، فإن بَعْثهم لا يمكن أن يتم إلا هناك. كما أن عودتهم إلى هذه البقعة أمر ضروري حتى تبدأ سلسلة الأحداث التي ستؤدي إلى العودة الثانية للمسيح وخلاص البشر. وبرغم الديباجات الدينية فإن شافتسبري، شأنه شأن مسيحيي عصره العلمانيين، كان يؤمن بأن الوسيلة الإنسانية يمكن أن تحقق الأهداف الربانية (وهذا عكس الموقف المسيحي واليهودي التقليدي). وقد عبَّر شافتسبري عن هذه الازدواجية في الخطاب في عبارته: "إن أي شعب لابد أن يكون له وطن، الأرض القديمة للشعب القديم"، وهي صيغة علمانية خافتة لشعار "الأرض الموعودة للشعب المختار". ثم طوَّر هذا الشعار ليصبح "وطن بلا شعب لشعب بلا وطن"، فهو إذن صاحب الشعار الصهيوني الشهير.

وقد نشر شافتسبري عام 1838 في مجلة كوارترلي ريفيو (وهي من أكثر المجلات نفوذاً في ذلك العصر) عرضاً لكتب أحد الرحالة إلى فلسطين. وقد بدأ المقال بالديباجة الدينية المعتادة عن قضية اليهود ثم تناول بعد ذلك تربة فلسطين ومناخها باعتبارها مناسبة لنمو محصـولات تتطلـبها احتيـاجات إنجـلترا مثل القطن والحرير وزيت الزيتون. ويبين شافتسبري أن كل المطلوب لإنجاز هذه العملية هو رأس المال والمهارة، وكلاهما سيأتي من إنجلترا، وخصوصاً بعد تعيين قنصل لإنجلترا في القدس إذ سيؤدى وجوده إلى زيادة أسعار الممتلكات. ثم يقترح عند هذه النقطة توظيف اليهود على أن يكون القنـصل البريطـاني الوسـيط بينهم وبين الباشــا العثمـاني، حتى يصبـحوا، مرة أخــرى، مزارعين في يهوذا والجليل. وهذا الاقتراح يحوي بعض عناصر الصيغة الصيهونية الأساسية (شعب عضوي منبوذ ـ نافع ـ ينقل خارج أوربا ـ لتوظيفه لصالحها).

ولكن أهم وثائق الصهيونية غير اليهودية وأكثرها شفافية (إذ تتضح فيها الصيغة الصهيونية الأساسية بكل وضوح وجلاء) هي الوثيقة التي قدَّمها شافتسبري إلى بالمرستون (25 سبتمبر 1840) لاسترجاع اليهود وحل المسألة الشرقية وتطوير المنطقة الممتدة من جهة الرافدين حتى البحر الأبيض المتوسط (وهي البلاد التي وعد الإله بها إبراهيم حسب أحد تفسيرات الرؤية التوراتية). ويؤكد شافتسبري في مقدمة المذكرة أن المنطقة التي أشار إليها آخذة في الإقحال بسبب التناقص في الأيدي العاملة، ولذا فهي تتطلب رأس مال وعمالة. ولكن رأس المال لن يأتي إلا بعد توفير الأمن. ولهذا، فلابد أولاً من اتخاذ هذه الخطوة، ثم يشير بعد ذلك إلى أن حب اختزان المال والجشع والبخل ستتكفل بالباقي، فهي من أهم دوافع الإنسان (الوظيفي)، ولذا فهي ستدفع به إلى أية بقعة يمكن أن يحقق فيها أرباحاً (ومثل هذه الضمانات ستشجع كل محب للمال عنـده الحمـاس التجـاري، أي أعضاء الجماعات الوظيفية).

كل هذه المقدمات العامة تقود شافتسبري إلى الحديث عن «العنصر العبري» أو الشعب العضوي المنبوذ (باعتباره جماعة وظيفية استيطانية) ثم يقترح أن القوة الحاكمة في الأقاليم السورية (دون تحديد هذه القوة) لابد أن تحاول وَضْع أساس الحضارة الغربية في فلسطين وأن تؤكد المساواة بين اليهود وغير اليهود فيها. وتحصل هذه القوة على ضمانات الدول العظمى الأربع عن طريق معاهدة ينص أحد بنودها على ذلك، وسوف يشجع هذا الوضع الشعب اليهودي العضوي المعروف بعاطفته العميقة نحو فلسطين حيث يحمل أعضاؤه ذكريات قديمة في قلوبهم نحوها. وهذا الشعب اليهودي العضوي "جنس معروف بمهاراته وثروته المختبئة ومثابرته الفائقة. وأعضاء هذا الجنس يمكنهم أن يعيشوا في غبطة وسعادة على أقل شيء، ذلك أنهم ألفوا العذاب عبر العصور الطويلة. وحيث إنهم لا يكترثون بالأمور السياسية، فإن آمالهم تقتصر على التمتع (بالأموال) التي يمكنهم مراكمتها... إن عصوراً طويلة من العذاب قد غرست في هذا الشعب عادتي التحمل وإنكار الذات". ويضيف شافتسبري: "إذا رأينا عودتهم في ضوء استعمار فلسطين، فإن هذه الطريقة هي أرخص الطرق وأكثرها أمناً في الوفاء بحاجات هذه المناطق غير المأهولة بالسكان. وهم سيعودون على نفقتهم الخاصة دون أن يُعرِّضوا أحداً ـ سوى أنفسهم ـ للخطر"، أي أنهم أداة آمنة كفء وسيخضعون للشكل القائم للحكومة، فهم لم يصوغوا أية نظرية سياسية مُسبَقة يهدفون إلى تطبيقها. وقد تم ترويضهم في كل مكان تقريباً على الخضوع الضمني (الهادئ) للحكم المطلق ولا تربطهم رابطة بشعوب الأرض، ولذا لابد لهم من الاعتماد على قوة ما… وسيعترف اليهود بملكية الأرض لأصحابها الحقيقيين… حيث سيكتفون بالحصول على الفائدة من خلال الطرق المشروعة مثل الإيجار والشراء، ولن يتطلب المشروع أية اعتمادات مالية من القائمين على المشروع، ولهذا فإن ثمرتها ستعود على العالم المتحضر (أي الغربي) بأسره.

ورغم أن هذه المذكرة قد كُتبت قبل عشرين عاماً من ميلاد هرتزل، فإن كل ملامح المشروع الصهيوني موجودة فيها، وخصوصاً فكرة توظيف وضع اليهود الشاذ داخل المجتمعات الغربية لخدمة هذه المجتمعات، وذلك عن طريق نَقْلهم ليصبحوا كتلة عضوية واحدة لا تخدم دولة غربية واحدة وإنما الغرب بأسره.

وفي عام 1876، كتب شافتسبري مقالاً آخر يطرح فيه مرة أخرى أفكاره الصهيونية بدقة ووضوح بالغين، فقد أكد أن سوريا وفلسطين ستصبحان شديدتي الأهمية من الناحيتين الجغرافية والتجـارية بعـد فترة وجيزة. وبعد الحديث عن الأمجاد الغابرة القـديمة، يتسـاءل شافتسبري فيقول: من تجـار العالم بالدرجة الأولى؟ والسؤال مجرد سؤال خطابي، لكن الإجابة معروفة، ثم يستطرد: "إن فلسطين في حاجة إلى السكان ورأس المال، وبإمكان اليهود أن يعطوها الشيئين معاً، وإنجلترا لها مصلحة في استرجاعهم لأنها سـتكون ضربة لإنجـلترا إن وُضع منافسـوها في سوريا. لكل هذا، يجب أن تحتفظ إنجلترا بسوريا لنفسها كما يجب أن تدافع عن قومية اليهود وتساعدهم حتى يعودوا فيكونوا بمنزلة الخميرة لأرضهم القديمة. إن إنجلترا أكبر قوة تجارية وبحرية في العالم، ولهذا فلابد لها أن تضطلع بدور توطين اليهود في فلسطين... وهذه ليست تجربة مصطنعة... إنها الطبيعة... إنه التاريخ".

ويُلاحَظ أن الديباجة الدينية هنا قد اختفت تماماً وأن الديباجة الجغراسية (موازين القوى ـ الإمبراطورية ـ الموقع الجغرافي ـ الأهمية التجارية العسكرية) هي الأهم.

وقد قام شافتسبري بعدة محاولات لتحويل صهيونيته الفكرية إلى صهيونية سياسية، فتحدَّث مع بالمرستون عن استخدام اليهود كرأس حربة لبريطانيا في الشرق الأوسط. ففتح بالمرستون قنصلية في القدس (وهذه بداية الصهيونية الاستيطانية) بناءً على إلحاحه على ضرورة مقاومة مصالح الدول الأخرى وحتى تجد بريطانيا من تحميه (فقد كانت فرنسـا تحـمي الكاثوليك وكانت روسـيا تحمي الأرثوذكس). وعُيِّن وليام ينج قنصلاً لتقديم الحماية لليهود والطوائف المسيحية، وهكذا قُدِّمت الحماية (أي التبعية لإنجلترا) لأي يهودي دون التثبت من أصله. وقد وافق الروس بين عامي 1847 و 1849 على أن يقوم الإنجليز بحماية اليهود الروس، المادة البشـرية التي ستـستخدمها الصهيونية الغربية. وكما يقول سوكولوف، فإن حماية اليهود جزء من اهتمام إنجلترا السياسي بالمسألة الشرقية.

كما أن شافتسبري حث بالمرستون على أن يكتب للسفير البريطاني في إستنبول عن فكرة الدولة اليهودية. وقد تحرَّك بالمرستون بناء على نصيحة شافتسبري وأرسل خطاباً بهذا المعنى. وحتى بعـد أن ترك بالمرسـتون الوزارة، اسـتمر شافتـسبري في نشاطه. وبدأ في وَضْع الأساس العملي لتحقيق حلمه في استرجاع اليهود إلى فلسطين تحت رعاية إنجلترا البروتستانتية، فساهم في جهود تأسيس أسقفية ألمانية إنجليزية تهدف إلى استرجاع اليهود. وقد اختير حاخام يهودي مُتنصِّر أسقفاً لها. وكان شافتسبري يَعُدُّ هذا تتويجاً لجهود جمعية اليهود، ذلك أن تأسيس الأسقفية كان بمنزلة العلامة على ابتداء عودة اليهود.

وقد أصبح شافتسبري رئيساً لصندوق استكشاف فلسطين. ورغم أنه يؤكد في كتاباته دائماً أن روح العودة موجودة عند اليهود منذ ثلاثة آلاف عام، وأن الأمة اليهودية أمة عضوية تحن إلى وطنها ولابد أن تحصل علىه، إلا أنه يُلاحَظ أن اليهود الحقيقيين الذين يقابلهم في الحياة تنقصهم الوحدة التي يفترض هو وجودها حسب رؤيته الإنجيلية الحرفية. وعلى كلٍّ، فإنه يذكر في أحد خطاباته إلى بالمرستون أن اليهود "غير متحمسين للمشروع الصهيوني، فالأغنياء سيرتابون فيه ويستسلمـون لمخـاوفهم، أما الفقراء فسيؤخرهم جَمْع المال في بلاد العالم، وسوف يفضل بعضهم مقعداً في مجلس العمـوم في بريطانيا على مقعـد تحت أشـجار العنب والتين في فلسطين. وقد تكون هذه أحاسيس بعض الإسرائيليين الفرنسيين، أما يهود ألمانيا الكفار فيُحتَمل أن يرفضوا الاقتراح".

وعلى هذا، فإن شافتسبري قد اكتشف المشكلة الأساسية في الصيغة الصهيونية الأساسية وهي أن المادة البشرية المُستهدَفة لن تخضع بسهولة لأحلامه الإنجيلية الحرفية الاستيطانية ولن تقبل ببساطة أن يتم انتزاعها من أوطانها.