ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

بن جوريون ..عبقرية الشر الصهيونية !!

لم يكن ديفيد بن جوريون مجرد زعيم صهيوني كبير فحسب ، بل كان عنصرياً بدرجة لا تفوق فقط ما كان عليه أمثاله من زعماء الصهيونية ، و إنما فاقت عنصريته التي لم يكن لها مثيل في العالم ، عنصرية النازي هتلر في ألمانيا ، ونظام التمييز العنصري الذي كان سائداً في جنوب أفريقيا ، و الذي ساد في الولايات المتحدة الأميركية ضد الهنود الحمر والزنوج ، حيث أفرزت عنصرية بن جوريون إرهاباً غير مسبوق في تاريخ البشرية ، جسد قمة الهرم في إرهاب الحركة الصهيونية !!

يقول بن جوريون أحد رؤساء وزراء الكيان الصهيوني الأوائل ،وأحد أكبررؤوس الحركة الصهيونية في يومياته عن مذابحه الدموية لتصفية الفلسطينيين و تفريغ الأرض من سكانها الأصليين في أبشع أشكال و صور الإبادة الجماعية في التاريخ : " ليست المسألة منوطة بضرورة الرد أم لا ولا يكفي نسف المنزل.. فالمطلوب والضروري هو ردود فعل قاسية وقوية. نحتاج الى الدقة في الوقت والمكان والإصابات . وإذا توصلنا الى معرفة الأسرة ، فلنضرب دون رحمة أو شفقة ، و خاصة النساء والأطفال. وإلا جاء رد الفعل غير فعّال . وفي موقع الفعل لا حاجة الى التمييز بين المذنب والبريء !!

لم يكن بن جوريون يخفي إيمانه المطلق بحتمية " العقل الإرهابي للمشروع الصهيوني " ، ودوره في تحقيق أهدافه وتجسيدها وتأسيس الكيان الصهيوني.

و أصدق دليل على ذلك هو ما قاله بن جوريون لتلميذه الإرهابي الصهيوني الآخر أرييل شارون عندما أرسله لارتكاب مجزرة قبية .. قال : ليس المهم ما سيقوله العالم المهم أن نبقى هنا " !!

وفي كتابهما الذي أشعل ثورة اليهود عليهما في عام 2006 ، و عنوانه : اللوبي الإسرائيلي " يورد العالمان الأمريكيان جون ميرشيمر وستيفن والت في هذا الشأن نصاً حرفياً جاء على لسان مؤسس إسرائيل "ديفيد بن جوريون" يخاطب ناحوم جولدمان" رئيس المجمع اليهودي العالمي ، ويقول فيه بالحرف الواحد " لقد أتينا هنا وسرقنا بلادهم وأرضهم ( أي الفلسطينيين ( فكيف لهم أن يقبلوا بذلك".

ويتهم الباحثان إسرائيل بقيامها ليس فقط بابتلاع الأراضي الفلسطينية، بل بعمليات تطهير عرقي ضد الفلسطينيين، ويوردان بعض الإحصاءات التي نشرها فرع منظمة (حماية الأطفال) في السويد، والذي يذكر فيه أن عدد الأطفال الفلسطينيين الذين تعرضوا للتكسير والأذى، واضطروا للحصول على علاج في أحد المستشفيات، يتراوح ما بين 23.600 طفل إلى 29.900 طفل، منذ بدء الانتفاضة وحتى الوقت الحاضر.

كما لم يخف بن جوريون لجوءه الى الأساليب الإجرامية ولإثارة رعب اليهود لدفعهم لمغادرة أوطانهم والهجرة الى فلسطين.

ففي أحد تصريحات ديفيد بن غوريون العلنية قال بالحرف الواحد : "إنني لا أجد حرجاً من الاعتراف بأنه لو كان لدي من السلطة ما لديّ من الرغبة والمطامح لانتقيت الشباب الموهوب المتطور المنتظم المخلص لقضيتنا المفعم بالحماسة لنهضة اليهود ، ولأرسلته الى تلك البلدان ، حيث ينغمس اليهود بحياتهم الخاصة الخاطئة ، ولأصدرت أمراً لهذا الشباب بأن يتخفى تحت قناع غير يهودي ليلاحق اليهود بأشنع طرق اللاسامية " !!

 

وليس من شك لمطلع في أن موقع بن غوريون في الحركة الصهيونية ، كان يمنحه الصلاحيات الواسعة التي تمكنه من القيام بما تمناه ورغبه وبأكثر من ذلك بكثير.. و ليس من شك أيضاً عند من يعرف العقلية الصهيونية، بأن ما ذكره بن غوريون كرغبة هو ما حدث في الواقع.

و قد ورد في النسخة الرسمية ، لكتاب " تاريخ حرب الاستقلال" الصادر سنة 1959: مرحلة " إسرائيل العمالية " بقيادة ديفيد بن غوريون ، أنه بدون أدنى شك " شكلت دير ياسين عملاً مساعداً على الانهيار اللاحق للعمق العربي" !!

لا ترجع شهرة ديفيد بن غوريون إلى كونه أول رئيس وزراء إسرائيلي (1948 - 1953) فحسب، بل ولكونه واحداً من المؤسسين الأوائل للدولة الإسرائيلية، حيث قاد انتصارات اليهود على العرب في حرب 1948 التي انتهت بقيام إسرائيل، وكان عنصرا فاعلا في حربي 1956 و 1967.

ولد حاييم أفجدور جرين (ديفيد بن غوريون) في بولنسك (بولندا الآن) التابعة لروسيا عام 1886، وكان يعمل في المحاماة، وقد أثرت عليه أفكار حزب العمال الاشتراكي الذي عرف بـ (عمال صهيون) في بولنسك.

حصل بن غوريون على شهادة الثانوية في بولنسك ثم أكمل دراساته الجامعية بجامعة القسطنطينية في تركيا عام 1912 وحصل بعد عامين على درجة جامعية في القانون.

يؤمن بن غوريون بما يسمى بالصهيونية العملية التي تسعى إلى إقامة الدولة الإسرائيلية وتدعيم أركانها بفرض الأمر الواقع.

وقد تأثر بأول كتاب يصدره ثيودور هرزل (الدولة اليهودية) وبخاصة شعار "إنك حين تريد فلن يصبح هذا الأمل حلما من الأحلام"، وبالمؤتمر الصهيوني الثالث الذي عقد في بازل بسويسرا ونوقش فيه تأسيس جامعة عبرية في القدس ومنظمة مالية يهودية كالبنك العالمي اليهودي بلندن، واختيار علم يمثل اللونين الأبيض والأزرق اللذين يمثلان في عرفهم بساط الرحمة لليهود، واختيار سلام وطني عبري، وقد عمل بن غوريون على المشاركة في تحويل هذه الأمنيات إلى حقيقة.

وكان يؤمن بالتدرج في سبيل تحقيق الحلم الإسرائيلي فدعا الحاضرين في المؤتمر الصهيوني الذي انعقد في الولايات المتحدة الأميركية عام 1942 إلى تأييد فكرة إقامة كومنولث يهودي فلسطيني على أرض فلسطين.

وبعد الحرب العالمية الثانية عاد ودعا اليهود عام 1947 إلى تأييد مؤقت لخطة التقسيم الصادرة عن الأمم المتحدة والداعية إلى إقامة دولتين منفصلتين واحدة لليهود وأخرى للفلسطينيين.

اقتنع بن غوريون في وقت مبكر بضرورة الهجرة إلى فلسطين، فقرر القيام بذلك عام 1906، وعمل في ذلك الوقت بفلاحة الأرض في يافا.

بعد أربعة أعوام أي في عام 1910 انتقل إلى القدس للعمل محرراً في صحيفة الوحدة " أهودوت " الناطقة باللغة العبرية، وكان ينشر مقالاته باسم (بن غوريون) الذي يعني في اللغة العبرية ابن الأسد.

 

أجبرته الدولة العثمانية على الرحيل إلى موسكو مع بعض رفاقه الذين يؤمنون بالصهيونية والذين قدموا من الاتحاد السوفياتي عام 1915. واستطاع بن غوريون العودة مرة أخرى إلى فلسطين بعد خمس سنوات.

نجح بن غوريون بعد عودته إلى فلسطين في تأسيس اتحادات عمال اليهود " الهستدروت " عام 1920، وعُيّن سكرتيراً عاماً له من 1921 وحتى 1935.

وتوسع في نشاطه السياسي فلعب دوراً كبيراً في تأسيس حزب " أهودوت هآفوداح " الذي تغير اسمه عام 1930 إلى حزب العمل الإسرائيلي.

 ونتيجة للنشاط الزائد الذي أبداه بن غوريون في أوساط الحركة الصهيونية، اختارته المنظمة الصهيونية العالمية مسؤولاً عن النشاطات الصهيونية في فلسطين عام1922.

وبعد ذلك ترأس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية في فلسطين من 1935 حتى 1948 والتي عملت بالتعاون مع السلطات البريطانية على تنفيذ وعد بلفور. وفي هذه الأثناء أظهر بن غوريون معارضة قوية للكتاب الأبيض الذي أصدرته بريطانيا عام 1939 والذي ينظم عمليات الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

دعا بن غوريون صهاينة العالم -رغم معارضته للكتاب الأبيض- إلى التعاون مع بريطانيا في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) وتأييدها في الحرب "كما لو لم يكن الكتاب الأبيض موجودا"، وفي الوقت نفسه دعاهم إلى محاربة الكتاب الأبيض "كما لو لم تكن الحرب مشتعلة".

بعد إقامة إسرائيل عام 1948 أصبح بن غوريون أول رئيس وزراء لها، وعمل فور توليه منصبه الجديد عام 1948 على توحيد العديد من المنظمات الدفاعية التي كانت موجودة - آنذاك - في قوات واحدة أطلق عليها قوات الدفاع الإسرائيلية IDF " - آي . دي . أف " .

عمل بن غوريون على تشجيع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل حتى وصل عدد المهاجرين إلى قرابة المليون من أوروبا الشرقية والبلدان العربية وغيرها.

وقع مع ألمانيا الغربية عام 1952 اتفاقاً لتعويض اليهود المتضررين من العهد النازي (الهولوكوست).

عاد مرة أخرى إلى الحياة السياسية أوائل عام 1955 ليحل محل وزير الدفاع بن حاس لافون الذي استقال، وفي نهاية نفس السنة أعيد انتخابه رئيساً للوزراء.

شنت إسرائيل أثناء رئاسة بن غوريون للوزراء هجوماً عسكرياً بالتعاون مع القوات الفرنسية والبريطانية على مصر عام 1956 بعد قرار الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس.

استقال من رئاسة الوزراء عام 1963 معلناً رغبته في التفرغ للدراسة والكتابة، لكنه ظل محتفظاً بمقعده في الكنيست، غير أنه لم يخلد تماماً لهذا النمط الجديد من الحياة فأسس عام 1965 حزباً معارضاً أسماه " رافي " .

 

 

اعتزل الحياة السياسية عام 1970 وألف العديد من الكتب منها "إسرائيل.. تاريخ شخصي" الذي أصدره عام 1970، و"اليهود في أرضهم" الذي صدر له بعد سنة من وفاته في عام 1973 عن عمر ناهز 87 عاماً.

في آخر عمل صدر للكاتب والأكاديمي اليهودي إيلان بابي (التطهير العرقي في فلسطين) في يناير 2007 لا يوارب في سرد الحقائق وبصراحة تامة يتهم الكيان الصهيوني بالتطهير العرقي وبارتكاب الجرائم ضد الإنسانية إبان حرب عام 1948 ووصولا إلى يومنا هذا. يركز أساسا على خطة د (داليت في العبرية) ، التي وضعت في 10 آذار / مارس 1948 ، حيث يصور بابي كيف أن التطهير العرقي لم يكن ظرفا أملته الحرب بل كان متعمدا وكان هدفا رئيسا من أهداف الوحدات العسكرية الصهيونية بقيادة ديفيد بن غوريون ، الذي يطلق عليه بابي "مهندس التطهير العرقي". إن الطرد القسرى لأكثر من 800 ألف فلسطيني ما بين1948- 49 ، هو جزء من الخطة الصهيونية لإنشاء دولة يهودية بالكامل. لقد وضع أدلته في إطار التعريفات للتطهير العرقي المقبولة دوليا وتعريفات الأمم المتحدة نفسها. ويمضي بابي في سرد تفصيلي لمشاركة المنظمات العسكرية الصهيونية في هدم واخلاء مئات القرى ، وطرد مئات الآلاف من السكان العرب.

يشكل الكتاب جردة حساب رائعة للطرد القسري والتطهير العرقي للفلسطينيين من أراضيهم في عام 1948. انه يقتبس من ديفيد بن غوريون ، زعيم الحركة الصهيونية من عام 1920 حتى منتصف الستينيات ، والذي كتب في مذكراته في عام 1938 ، "اني مع الطرد الإجباري ؛ لا ارى اي شيء غير أخلاقي فيه. " وهذا يتناقض مع ادعاء الصهاينة الذي كان يعني الاستيلاء على أرض بلا شعب.

بابي يقتبس من خطة مارس 1948 لطرد الفلسطينيين كما جاءت على لسان بن جوريون "إن الأوامر جاءت مع وصف دقيق للأساليب التي تستخدم لطرد الناس عنوة : التخويف على نطاق واسع ؛ محاصرة وقصف القرى والمراكز السكانية ، إشعال النار في المنازل والممتلكات والبضائع ؛ الطرد ؛ الهدم ؛ وأخيرا ، زرع الألغام بين الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة ".

وفي 24 مايو 1948 ، كتب بن غوريون : "علينا إنشاء دولة مسيحية في لبنان ، حيث يحدها من الجنوب نهر الليطاني. سنقوم بهزيمة شرقي الأردن transjordan ، وسنقوم بقصف عمان وندمر جيشها ، وبعدئذ ستسقط سوريا ، وإذا ما زالت مصر مستمرة في القتال، سنقوم بقصف بور سعيد والإسكندرية والقاهرة. وسيكون ذلك انتقاما لما فعله(المصريون والآراميون والاشوريون) بأسلافنا في الأزمنة الغابرة. " لقد كان الفلسطينيون يعانون الطرد الجماعي ، وليس العكس لم يكن الفلسطينيون يحاولون تدمير المجتمع اليهودي.

و بن غوريون هو صاحب تسمية الدولة العبرية الوليدة باسم إسرائيل، ومن المؤسسين الأوائل للدولة الإسرائيلية. تولى رئاسة الحكومة تسع مرات بدأت الأولى بقيام دولة إسرائيل في سنة 1948 وانتهت التاسعة في السادس و العشرين من يونيو عام 1963 .

و قد كشفت وثيقة يعود عمرها إلى 50 عاماً مضت ، تم الكشف عنها مؤخراً ، عن أطماع ابن غوريون حتى في النفط المصري وسيناء .

كشفت هذه الوثيقة السرية في أرشيف الجيش “الاسرائيلي” حول العدوان الثلاثي على مصر أن رئيس الحكومة الاسرائيلية - آنذاك - ديفيد بن جوريون خطط للاحتفاظ بسيناء واستبدال المناطق العربية فيها بأسماء عبرية ونهب النفط المصري، والوثيقة موقعة بتاريخ 24أكتوبر 1956 ، أي قبل الحرب بستة أيام وسينشرها الجيش في ذكرى مرور 50 عاماً على العدوان.

ويستدل من تفاصيل الوثيقة أنها أعدت في باريس في أثناء مباحثات سرية بين مندوبين عن فرنسا وبريطانيا و”اسرائيل” للتخطيط للحرب. وكان رئيس أركان الجيش آنذاك موشيه دايان قد رسم فيها خطوط تقدم الجيش في الحرب. وكتب شيمون بيريز الذي شغل منصب المدير العام لوزارة الأمن بخط يده عليها " تمت مناقشة الخطة بموجب هذه الخريطة في اللحظة قبل الأخيرة، وقد رسمها موشي دايان ".

وكشف في الوثيقة إن بيريز وقع عليها بنفسه، وطلب من بن جوريون التوقيع عليها ففعل، في حين أن توقيع دايان لا يظهر عليها.

وذكر موقع صحيفة " هآرتس " أن هناك ملفات سرية عديدة عن تلك الفترة، منها ما حمل الاسم “اجتماعات الضباط لدى وزير الدفاع” وجاء في هذا الملف “في ساعات مساء الخامس من نوفمبر 1956 وصل إلى بيت بن جوريون في تل أبيب ضباط لتقديم تقرير لبن جوريون حول انتهاء الحرب بنجاح، برز منهم موشيه دايان، وقائد وحدة المظليين ارييل شارون، والضابط حاييم ليسكوف، ونائب مدير عام وزارة الخارجية يعكوف هرتسوغ.

في حينه كانت الأزمة قد نقلت إلى هيئة الأمم المتحدة، حيث جرت المباحثات لوقف اطلاق النار، بينما صممت “إسرائيل” على تأجيل وقف اطلاق النار لاتاحة المجال للقوات البريطانية والفرنسية لاحتلال قناة السويس، بحسب الاتفاق.

 في بداية الاجتماع ، قال دايان لبن جوريون : " في التاسعة والنصف صباحا دخلت كل الوحدات إلى شرم الشيخ، وبذلك استكمل احتلال سيناء " . عندها تدخل بن جوريون: " يجب ايجاد اسم لشرم الشيخ، يجب أن ننتهي من الأسماء العربية، يمكن أن نسمي تيران " يوطفات " . ويمكن أن نطلق على شرم الشيخ مفوؤوت ايلات (أي مشارف ايلات) أو شاعر ايلات (بوابة ايلات).

ونقل عن بن جوريون قوله : " لو كان لنا جيش كهذا في 1948 لاستطعنا احتلال كل البلدان العربية "

وعندها بدأ بن جوريون يصف رؤيته المستقبلية بناء على الوضع الجديد الذي نشأ، فقال: " تبدلت الأمور. سيناء بأيدينا.. لم أصدق في حينه أن يحصل هذا.. يجب أن تبقى تحت سيطرة اسرائيل. واقترح بن جوريون فتح خط سياحي للابحار من ايلات الى شرم الشيخ " .

وتكشف الوثيقة أيضاً ان بن غوريون كان متهماً بمسألة السيطرة على عمليات التنقيب عن النفط في منطقة الطور، في شواطىء خليج السويس، حيث قال: " لو نتمكن من استغلال النفط وجلبه إلى حيفا.. يمكن أن ننقله بواسطة السفن.. وعندها سنتحرر من الخارج.. سيصبح لدينا نفط " .

وهذه الوثيقة ه تتضمن رسم خطوط قام بها رئيس هيئة أركان الجيش في حينه، موشي ديان ، تضم ثلاثة أسهم تصف كيفية تقدم الجيش الإسرائيلي.

وتحمل الوثيقة – كما أسلفنا - تاريخ 24أكتوبر عام 1956 أي قبل الحرب بستة أيام.

كما جاء أن الوثيقة قد رسمت في باريس ، أثناء مباحثات سرية من قبل مندوبين عن فرنسا وبريطانيا وإسرائيل للتخطيط للحرب. وفي حينه شاركت إسرائيل بتركيبة سياسية وعسكرية، شملت رئيس الحكومة ووزير الأمن دافيد بن غوريون ، ورئيس هيئة أركان الجيش موشي ديان ، والمدير العام لوزارة الأمن شمعون بيريز ، ومساعدين آخرون.

إلى ذلك، فقد تم الكشف عن ملفات أخرى كانت تعتبر سرية منذ تلك الفترة. ومن بينها ملف يحمل الاسم " اجتماعات الضباط لدى وزير الأمن".

وبحسب ما جاء في الملف المذكور والذي نشر موقع صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أجزاء منه ، ففي ساعات مساء الخامس من نوفمبر 1956، وصل إلى بيت بن جوريون في تل أبيب عدد من الضباط، من بينهم موشي ديان، وقائد وحدة المظليين أرئيل شارون، والضابط حاييم ليسكوف، ونائب مدير عام وزارة الخارجية يعكوف هرتسوغ وكانوا قد وصلوا لتقديم تقرير لـ بن جوريون حول انتهاء الحرب بنجاح. وفي حينه كانت قد نقلت الأزمة إلى هيئة الأمم المتحدة، حيث جرت المباحثات لوقف إطلاق النار، بينما صممت إسرائيل على تأجيل وقف إطلاق النار لإتاحة المجال للقوات البريطانية والفرنسية لاحتلال قناة السويس بحسب الاتفاق كما شارك في المحادثات في بيت بن غوريون السكرتير العسكري نحميا أرغوف، ونائبه يتسحاك نافون.

في بداية المحادثات قال ديان لـ بن غوريون:" في الساعة التاسعة والنصف صباحاً دخلت كافة الوحدات إلى شرم الشيخ، وبذلك استكمل احتلال سيناء".وبشكل خاص كان بن غوريون ساعتئذ مهتماً بأسماء الأماكن وكيف يمكن نقلها.

وقال:" يجب إيجاد اسم لشرم الشيخ"

وأضاف:" يجب أن ننتهي من الأسماء العربية، يمكن أن نسمي تيران "يوطفات".

وقال نحميا أرغوف : ربما يكون "سنفير" مناسبا؟

بن جوريون: يجب أن نجد اسما عبرياً لشرم الشيخ

موشي ديان: مفوؤوت إيلات (مشارف إيلات) أو شاعر إيلات (بوابة إيلات)..

بن جوريون: مفوؤوت أفضل من شاعار، وربما الأفضل "ترشيش"..

كما نقل عن بن غوريون في حينه قوله:" لو كان لنا جيش كهذا في العام 1948 لاستطعنا احتلال كل البلدان العربية" وعندها بدأ بن جوريون يصف رؤيته المستقبلية بناء على الوضع الجديد الذي نشأ، فقال:" لقد تبدلت الأمور. سيناء بأيدينا.. لم أصدق في حينه أن يحصل هذا.. يجب أن تبقى تحت سيطرة إسرائيل".

كما اقترح بن جوريون فتح خط سياحي للإبحار من إيلات إلى شرم الشيخ. وقال إنه يجب تنظيم رحلات سياحية عن طريق سفينتين من إيلات لتطوفان حول جبل سيناء، وضمان وصول المواد الغذائية إلى المنطقة، وترتيب رحلات للسائحين والسكان في الصحراء..

وهنا يتدخل ليسكوف الذي كان يحارب في جبهة غزة – رفح – العريش، ويقول إن الجنود قاموا بأعمال نهب. وعندما سأله بن غوريون عما نهبوه، أجابه بأنهم نهبوا ثياباً (خرقاً، على حد قوله) وعلب سجائر وبسكويت..

ويجيبه بن جوريون:" هذا النهب غريب بنظري. في العام 1948 كان شيء آخر.. فقد شارك الجميع في ذلك"، في إشارة إلى نهب القرى العربية حتى من قبل أعضاء "الكيبوتسات المجاورة". ويتابع بن جوريون:" والآن الطوائف الشرقية اليهودية بالذات تقوم بذلك"..

كما تفيد التقارير إلى أن بن غوريون كان مهتماً بمسألة أخرى وهي السيطرة على عمليات التنقيب عن النفط في منطقة الطور، في شواطئ خليج السويس. حيث قال:" لو نتمكن من استغلال النفط وجلبه إلى حيفا.. يمكن أن ننقله بواسطة السفن.. وعندها سنتحرر من الخارج.. سيصبح لدينا نفط"..

و هناك أمر آخر يتعلق بسيرة هذا الزعيم الصهيوني الكبير يجدر بنا التوقف عنده ، ألا و هو دوره الأكبر و الرئيسي في صنع السلاح النووي الإسرائيلي ، و ها هى القصة .

كانت المخاوف بشأن مستقبل إسرائيل تتملك رئيس وزرائها ديفيد بن جوريون وهي مخاوف لم يفلح العدوان الذي قامت به إسرائيل على سيناء عام 1956 في إخمادها.

ويذكر أنه في نهاية عقد الخمسينيات عبر بن جوريون عن مخاوفه تلك لأحد مساعديه قائلا: إنني لا أستطيع النوم كل ليلة ولو لثانية واحدة فقلبي يمزقه هاجس واحد ألا وهو حدوث هجوم مشترك من قبل الجيوش العربية .

وفي هذه الأثناء كان بن جوريون قد عقد العزم على وجوب امتلاك إسرائيل "للخيار النووي" فقد كان السلاح النووي من وجهة نظره هو وحده القادر على مواجهة التفوق العددي للعرب .

وعندما تولى كيندي مقاليد السلطة كرئيس للولايات المتحدة في عام 1961 تحمس بشدة إلى تحقيق الهدف الرامي إلى حظر انتشار الأسلحة النووية ولكن السياسة التي اتبعت في كيفية تحقيق هذا الهدف كانت متقلبة.

عندما يتم تأمل ما حدث على مدار السنوات الماضية نجد أن إسرائيل كانت حالة استثناء من هذاالحظر ليس بسبب الوضع الجيوبوليتيكي لإسرائيل فحسب ولكن أيضا بسبب عبء تاريخي ثقيل لذا توجب في الحالة الإسرائيلية التغاضي عن تلك الفكرة المثالية الخاصة بحظر انتشار الأسلحة النووية .

وليس هناك مثال أدل على ذلك التغاضي الذي بلغ أقصى درجاته سوى اللقاء الذي تم عام 1961 بين كيندي وبن جوريون في مدينة نيويورك، فعلى الرغم من أن كيندي قد تحدث بشكل رائع عن مسألة حظر انتشار الأسلحة النووية.

 لكنه عندما وصل في الحديث إلى حالة إسرائيل لم يضغط على تلك المسألة بقوة أو يلح عليها وهو بذلك شيد الدعائم التي قام عليها نموذج العلاقات الأمريكية الإسرائيلية الذي ظل سائدا طيلة 30 عاما تالية. وهكذا أخذت كل من إسرائيل والولايات المتحدة تترنحان معا في طريق تغشاه الظلمة .

لقد ظهر التصور الخاص بمشروع ديمونة النووي في خضم نزاع دولي فقد ظهر في أحلك ساعات أزمة السويس إذ كانت كل من بريطانيا و فرنسا قد اقنعت إسرائيل بالمشاركة في الجهود العسكرية الرامية إلى مساعدتهما على استعادة قناة السويس التي قامت مصر بتأميمها في يوليو من عام 1956 وبالرغم من أن هذه التجربة قد أظهرت القدرات العسكرية الإسرائيلية إلا أن ما نجم عن حملة نوفمبر عام 1956 على المستوى السياسي كان يمثل كارثة بكل المقاييس فقد قامت الولايات المتحدة بالتنديد باستخدام القوة كما صممت على عقد مفاوضات لوقف إطلاق النار وبلغت الأزمة ذروتها عندما أنذر رئيس الوزراء السوفيتي نيكولاي بولجانين بن جوريون قائلا ان الصواريخ السوفيتية من الممكن أن تطال أهدافاً إسرائيلية.

واستجابة للتهديد السوفيتي قامت جولدا مائير يرافقها شيمون بيريز مساعد بن جوريون المقرب بالطيران إلى باريس في صبيحة السابع من نوفمبر لعقد اجتماع مع زملائهم الفرنسيين وهم وزير الدفاع الفرنسي موريس بورجيس مانوري ووزيرالخارجية كريستيان بينو وطبقا لما أوردته المصادر الفرنسية فإنه نظرا لعدم قدرة فرنسا على تقديم أي ضمانات فورية لإسرائيل ضد العدوان السوفيتي قدم بيريز اقتراحا بأن تقوم فرنسا بعد انسحاب إسرائيل من سيناء بتقديم الضمانات الأمنية الكافية لإسرائيل.

وفي 14 يونيو حدث انسجام بين بن جوريون وديجول بما يكفي لترتيب لقاء قمة بشكل عاجل بينهما ولكن النقاش الذي دار خلال هذا اللقاء لم يؤد إلى الوصول إلى حل بشأن الأزمة النووية إذ شهدت هذه المحادثات تبادلا للثرثرة بكلام كثير حول الشئون العالمية وغيرها من الأفكار بين رجلي سياسة بلغا مبلغ الشيخوخة أما القضية الحقيقية فقد كانت نادرا ما تذكر وعلى هذا فعندما إنتهى هذا اللقاء دون مناقشة لقضايا التعاون النووي والعسكري اقترح ديجول عقد لقاء آخر بعد ثلاثة أيام .

وفي 17 يونيو عقد الزعيمان لقاء على انفراد وفي هذه المرة بدأت المباحثات تنصب مباشرة على القضية النووية ورغم أن الجانبين كانا خلال اللقاء يريدان تحاشي حدوث مواجهة إلا أنه لم يتم التوصل إلى حل فوري وطبقا لما ذكره ميشيل بار زوهار كاتب سيرة حياة بن جوريون فإن بن جوريون قال

: إنه يتفهم تحفظات ديجول حول مشاركة فرنسا في بناء المفاعل وأنه يتعهد من جانبه بألا تقوم إسرائيل ببناء أسلحة نووية ثم اقترح ترك التفاصيل العملية الخاصة بمستقبل التعاون النووي بين البلدين ليتولاها كل من شيمون بيريز و بيير جويلامو وزيرالطاقة النووية الفرنسي وبالرغم من أن ديجول قد أبدى استعداده إلى إعادةالنظر في الموقف إلا أنه لم يكن مقتنعا.

ولكن ديجول لم يغير فكره ففي الأول من أغسطس 1960 قدم كوف دي ميرفي تقريرا يفيد بأن فرنسا قد عقدت العزم على إنهاء مساعدتها لإسرائيل وذلك في حالة مواصلة إسرائيل معارضتها للخضوع للتفتيش الخارجي وأضاف أن فرنسا سوف تقوم بتعويض إسرائيل عن الخسائر المالية التي يمكن أن تتكبدها من جراء هذا الإنهاء وبعد مشاورات مع مستشاريه رفض بن جوريون عرض التعويض وأرسل بيريز إلى العاصمة الفرنسية باريس محاولا التفاوض من أجل التوصل إلى حل وسط.

وبالفعل تم التوصل إلى هذا الحل الوسط بحلول نوفمبر من نفس العام وتمثل هذا الحل في أن تنهي الحكومة الفرنسية ارتباطها المباشر بمفاعل ديمونة على أن تبقى الشركات الفرنسية التي كانت تعيش على تلك التعاقدات قائمة على عملها بما كان يعني أن إسرائيل بإمكانها أن تواصل تنفيذ المشروع بمفردها وتعهدت إسرائيل أيضا بأن تصدر إعلانا عاما عن مفاعل ديمونة وأن تعلن فيه أنه مخصص للأغراض السلمية وبالمقابل يكون على فرنسا التخلي عن إصرارها على إخضاع المفاعل النووي الإسرائيلي للتفتيش الدولي.

واستقر في يقين ديجول أنه بذلك قد وضع حدا لهذا المشروع فنجده يكتب في مذكراته تعليقا على ذلك قائلا : وهكذا انتهى التعاون الذي كنا نقدمه في البداية بالقرب من بير سبع للوحدة الصناعية القائمة بتحويل اليورانيوم إلى بلوتونيوم والذي يمكن من خلالها تخليق قنابل ذرية يوما ما ولكن كل ما قاله ديجول في بيانه ذلك لم يكن سوى رؤية ذاتية وليست وقائع دقيقة فطبقا لما أورده بيان فإن كل ما فعله هذا الحل الوسط الذي توصل إليه بيريز أنه وفر على وجه الدقة الحماية لهذا الجزء من المشروع أي لعملية إعادة معالجة البلوتونيوم التي كان ديجول قد عقد العزم على إيقافها.

ورغم ذلك فإن إسرائيل قد تعلمت أن هناك حدوداً سياسية لإرادتها النووية ومن ثم فقد كان على بن جوريون أن يتعهد ولو بشكل سري بألا تقوم إسرائيل ببناء أسلحة نووية.

وبعد أقل من ستة أشهر وحتى قبل أن تقوم إسرائيل بتنفيذ الجزء الخاص بها من الاتفاق أي جعل مسألة بناء مفاعل ديمونة أمرا علنيا انكشف السر فجأة على الجانب الآخر من الأطلنطي.

وفي النهاية قررت إدارة إيزنهاور التي كانت على وشك الرحيل إستباق هذا الإعلان المتوقع وفي الثامن من ديسمبر أعلن آلان دالاس مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" في إجتماع لمجلس الأمن القومي أن إسرائيل بصدد إنشاء مبان نووية في صحراء النقب بمساعدة فرنسا وأضاف قائلا إن : خبراء السي آي إيه و خبراء هيئة الطاقة الذرية قد أجمعوا على أنهم موقنون بأن المركبات النووية التي تستخدمها إسرائيل في هذا المفاعل لا يمكن أن تستخدم فقط للأغراض السلمية وفي اليوم التالي قام وزير الخارجية كريستيان هيرتر باستدعاءالسفير الإسرائيلي وقدم له ما توصلت إليه المخابرات الأمريكية بشأن المفاعل الذي يجري إنشاؤه كما أعرب له عن قلق الولايات المتحدة بهذا الخصوص إلا أن السفير الإسرائيلى إبرهام هارمان أنكر أي معرفة له بتفاصيل إقامة مفاعل نووي في ديمونة ولم تكتف الإدارة الأمريكية بذلك بل أنها قامت باطلاع اللجنة العامة للطاقة الذرية التابعة للكونجرس على الأمر برمته.

وفي عددها الصادر بتاريخ 19 ديسمبر كشفت مجلة " تايم " الأمريكية عن اجتماع خاص عقده الكونجرس بشأن التطور الذري لدولة أخرى دولة لا هي تنتمي إلى الكتلة الشيوعية ولا تنتمي إلى دول حلف شمال الأطلنطي "الناتو" وبعدذلك بأيام ثلاثة قامت صحيفة الدايلي إكسبريس اللندنية بتحديد هذه الدولة فصرحت بأنها إسرائيل مضيفة أن: سلطات المخابرات البريطانية والأمريكية على يقين من أن الإسرائيليين يسيرون حثيثا نحو إنتاج أول قنبلة نووية تجريبية.

وفي 18 ديسمبر أجرى جون ماكون رئيس هيئة الطاقة الذرية لقاء صحفيا قال فيه: أن إسرائيل كانت تقوم بتكتم شديد ببناء مفاعل نووي وان الولايات المتحدة وجهت إلى إسرائيل تساؤلات بهذا الشأن وأضاف أن: الولايات المتحدة كان لديها معلومات غير رسمية تتعلق بأنشطة إسرائيلية نووية بيد أنه أشار الى أن امتلاك مفاعل لا يعني في حد ذاته خلق قدرات نووية وفي الأيام التالية كان موضوع المفاعل الإسرائيلي هوالموضوع الرئيسي على الصفحات الأولى من صحيفة النيويورك تايمز.

وقد كشفت القصص الإخبارية التي نشرت والتي اتضح في الآونة الأخيرة أنها كتبت بمساعدة جون ماكون: أن المسئولين الأمريكيين يبحثون بقلق بالغ الأدلة التي ظهرت مؤخرا والتي تشير إلى أن إسرائيل تقوم بمساعدة فرنسا بتطوير قدراتها على إنتاج أسلحة نووية كذلك فإن وزارة الخارجية الأمريكية اعترفت لأول مرة بأن هيرتر قد استدعى بالفعل السفير الإسرائيلي في التاسع من ديسمبر للإعراب عن قلق الولايات المتحدة بهذا الشأن وطلب المزيد من المعلومات.

إلا أنه لم يتم تلقي إجابة على ذلك بعد وفي اليوم نفسه كان موضوع المفاعل الإسرائيلي هو موضوع المؤتمر الرئاسي.

وتشير وقائع هذا المؤتمر الذي تم الإفراج عن وقائعه ولم تعد سرية منذ عام1993 الى أن كلا من هيرتر وزير الخارجية وآلان دالاس مدير السي آي إيه قد أشارا إلى مفاعل ديمونة بوصفه "وحدة لإنتاج البلوتونيوم " وعلق إيزنهاور على ذلك بأنها وحدة تتكلف ما بين 100 و200 مليون دولار.

 

وفي اليوم التالي أي في العشرين من ديسمبر كانت التداعيات السياسية لمفاعل ديمونة هي الشغل الشاغل للتغطية الصحفية التي أخذت تتابع الحدث والتي كشفت أن إسرائيل قد جعلت الولايات المتحدة تصدق أن الموقع النووي كان مجرد مصنع للغزل والنسيج كما تم الإشارة إلى أن القضية قد تمت مناقشتها على مستوى الدوائر العليا بالبيت الأبيض في اليوم السابق.

وفي 21 ديسمبر ظل الرد الإسرائيلي على ما طلبته الولايات المتحدة من معلومات مرتقباً وأعلنت صحيفة النيويورك تايمز أن ملاحظات غاضبة قد تسللت إلى البيانات العامة والخاصة الصادرة عن المسئولين بالولايات المتحدة اليوم بشأن بناء إسرائيل لمفاعل نووي.

وكانت التعليقات الأولى لإسرائيل على الأمر تتسم بالضعف وكانت تلك التعليقات غير رسمية وإلى حد ما غامضة وقد صدرت هذه التعليقات الأولى من قبل رئيس الهيئة الإسرائيلية للطاقة الذرية إرنست بيرجمان الذي وصف التقرير القائل بأن إسرائيل كانت تطور أسلحة نووية بأنه تقرير "كاذب و غير صحيح" وأضاف أن الوضع الحالي للصناعة الإسرائيلية غير قادر على الإضطلاع بمثل تلك المهمة وعلى الجانب الآخر لم يقل بيرجمان أي شيء عن مقاصد إسرائيل وما تعتزمه .

أما أول تأكيدات رسمية تثبت المساعدة الفرنسية لإسرائيل فقد صدرت في اليوم التالي من باريس وذلك في بيانين منفصلين صدرا عن وزارة الخارجية الفرنسية والسفارة الإسرائيلية، السفارة الإسرائيلية أشارت إلى أن التطور الذري الإسرائيلي "قاصر فحسب" على مجالات الصناعة والزراعة والطب والعلوم أما البيان الفرنسي فقد ذهب إلى أبعد من ذلك إذ أصر على أن كل التدابير الضرورية قد اتخذت من قبل فرنسا من أجل التأكد من أن المساعدة الفرنسية لإسرائيل في المجال النووي سوف تكون فقط على صعيد الأغراض السلمية .

إلا أن هذين البيانين الصادرين عن مسئولين في مستوى منخفض لم يعيدا الهدوء المنشود بل على النقيض فإن طول التأخير في الاستجابة لطلب المسئولين الأمريكيين بالحصول على المعلومات والغياب المستمر لبيان رسمي عام صادر عن مستوى عال أي عن بن جوريون نفسه ضاعف هو الآخر من إشاعة جو الأزمة.

وفي النهاية أصدر بن جوريون بيانا حذرا ومتحفظا للكنيست حول القضية وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتم فيها إخبار الإسرائيليين بأن دولتهم تقوم بالفعل ببناء مفاعل نووي في النقب وكرر بن جوريون في بيانه للكنيست القول بأن أغراض المفاعل هي أغراض سلمية ولقد كانت تلك هى المرة الأولى والوحيدة التي يصدر فيها رئيس وزراء اسرائيلي بيانا عاما حول ديمونة.

ورفض بن جوريون التقرير القائل بأن إسرائيل كانت تبني قنبلة نووية ووصفه بأنه "كذب متعمد" مضيفا أن إسرائيل قد اقترحت أن يتم نزع عام وكلي للأسلحة في إسرائيل وفي الدول العربية المجاورة مع توفير حقوق متبادلة بالتفتيش وكما حدث في اتفاق كوف دي ميرفي بيريز فإن البيان لم يذكرفرنسا بوصفها مصمم المفاعل بل قرر فحسب أن المفاعل يتم بناؤه تحت توجيه إسرائيلي وبالطبع فإنه في ذلك الوقت لم تعد الحكومة الفرنسية مشاركة في المشروع.

وبصفة عامة كان بيان بن جوريون في مجمله صحيحا فقد كان هو وآخرون غيره يأملون في بناء محطة طاقة كبرى في النقب وتوقعوا أن يكون مفاعل ديمونة هوالخطوة الأولى في هذا الاتجاه كما كان بمقدور بن جوريون أن ينكر بسهولة التقارير القائلة بأن إسرائيل كانت تقوم بتصنيع أسلحة نووية فتلك الأسلحة لم تكن قد صنعت بالفعل حتى ديسمبر 1960 بيد أنه كان حريصا على ألا يكون محددا بشأن المستقبل  ومن ثم فقد كان الإدعاء القائل بأن المفاعل قد صمم ليكون قاصرا على الأغراض السلمية كان من وجهة نظر بن جوريون بيانا صحيحاوفي أثناء إثارته للمسألة في رسالة وجهها إلى الرئيس كيندي بعد 18 شهرا قال له: لابد لنا من أن نقوم بتأمين السلم من خلال القوة فغرض الخيار النووي هو تجنب الحرب.

ومع ذلك فإن بن جوريون لم يذكر كل الحقيقة فقد كان مقتنعا بأن إسرائيل يجب أن تمتلك الخيار النووي ولكنه حتى ذلك الحين كان يعمل على إخماد ثورة الشك لدى الولايات المتحدة والتقليل من الضغوط السياسية التي يمكن أن تمارسها فإن الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة من شأنه أن يؤدي إلى جعل إسرائيل بدون مشروع نووي وإلى تدمير العلاقة مع الولايات المتحدة.

ويبدو أن تلك الإستراتيجية قد عملت عملها فقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بيانا ذكرت فيه أن الحكومة الإسرائيلية قدمت تأكيدات على أن مفاعلها النووي الجديد ... مخصص كلية للأغراض السلمية ومضيفة أنه: من دواعي السرور الإشارة إلى أن برنامج الطاقة الذرية الإسرائيلي لا يمثل كما أعلن سببا للقلق.

ولقد رأت وزارة الخارجية الأمريكية أن تقوم بقراءة تأكيدات بن جوريون كما هي دون الذهاب لأبعد مما قاله واقعيا رغم أنه لم يصدر تعهدا مستقبليا من أي نوع فقد كان من المريح لها بالتأكيد أن تتم قراءته على هذا النحو وهكذا استطاع البيان الإسرائيلي أن يخلق بالفعل توقعا لدى أمريكا بأن إسرائيل سوف تجعل مفاعلها مفتوحا أمام نظام الوقاية الخاص بالهيئة الدولية للطاقةالذرية ورغم أن بن جوريون لم يقل أي شيء من أي نوع عن هذا الأمر بل لم يلمح أو يشير إليه إلا أن التأكيدات التي قدمتها إسرائيل منحت كل الأطراف ما يرغبونه .

في 24 ديسمبر قام السفير الأمريكي في إسرائيل أوجدين ريد بمقابلة بن جوريون بمنزل وزير الخارجية الإسرائيلي بتل أبيب ويسترجع ريد الذي يعمل الآن مستشارا ماليا بنيويورك ذكرى ما جرى في هذه المقابلة فيذكر أنه في البداية أعطى بن جوريون بطاقة تهنئة بمناسبة أعياد الكريسماس مرسلة من الرئيس إيزنهاور وقد أبدى بن جوريون تقديره الشديد لهذه التهنئة وبعد ذلك أدار ريد دفة الحديث متناولا القضايا الجدية فأبلغ بن جوريون قلق الإدارة الأمريكية من احتمال انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.

ويستمر ريد في استرجاع ذكرياته قائلا: وكعادته دائما كان بن جوريون مباشرا و نشطا متحمسا وودودا ومع ذلك فقد عبّر في لحظة ما عن بعض الغضب في إشارة إلى الإلحاح المتواصل حول المفاعل الإسرائيلي ويتذكر ريد نص السؤال الذي ألقاه عليه بن جوريون فقد سأله قائلاً: لماذا في الولايات المتحدة فقط يجب أن يتم اطلاع كل فرد على كل شيء؟

وفي 4 يناير التقى ريد ببن جوريون مرة ثانية وقدم له خمسة أسئلة ترغب الولايات المتحدة في الحصول على إجابات عنها في الوقت الراهن ويرى بار زوهار كاتب سيرة حياة بن جوريون أن الأسئلة قدمت على شكل إنذار نهائي حيث طلب ريد من بن جوريون أن يتم الإجابة على الأسئلة قبل متصف الليل وتعليقا على ذلك يقول ريد ان زوهار قد فهم الأمر بشكل خاطىء تماما إذ لم يكن هناك أي إنذار نهائي ويضيف ريد قائلا: إن الدول ذات السيادة لاتتصرف على هذا النحو أما عن الأسئلة الخمسة فيقول ريد إنها قد صممت خصيصا لتحقيق الوضوح وتتمثل تلك الأسئلة في: ما الخطط التي تقدمها إسرائيل للتخلص من البلوتونيوم الذي سوف يتولد عن المفاعل؟ هل ستوافق إسرائيل على إجراءات وقائية مناسبة؟ هل سوف تسمح إسرائيل للعلماء المؤهلين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية أو غيرها من الهيئات المماثلة بزيارة المفاعل؟ و إذا سمحت بذلك فمتى تتم هذه الزيارات؟ هل هناك مفاعل ثالث تحت الإنشاء أو يتم التخطيط له؟ هل تستطيع إسرائيل أن تقرر بشكل قاطع أنها لا تخطط لإنتاج أسلحة نووية؟ ويذكر ريد أن بن جوريون قام بالتعليق على الأسئلة في اجتماع 4 يناير ولم يجر أي اجتماع آخر في وقت لاحق لمناقشة الإجابات على الأسئلة ومازالت برقيةريد التي أرسلها إلى واشنطن والتي تصف "تعليقات" بن جوريون على الأسئلة ضمن المعلومات السرية غير المصرح بالاطلاع عليها .

وعلى العكس من ذلك يؤكد بار زوهار أن رئيس الوزراء الإسرائيلي كان مغتاظا وحانقا من هذا الطلب المهين وأنه لم يقم بالإجابة عليه بشكل فوري. وبدلا من ذلك استدعى ريد فيما بعد إلى مقر إقامته في سد بوكر بالنقب ووبخه قائلاً: يجب عليكم أن تخاطبونا كأنداد وإلا فلا تخاطبونا على الإطلاق ثم أجاب بن جوريون على الأسئلة واحداً بعد الآخر.

وطبقا لرواية بار زوهار كانت إجابات الأسئلة على النحو التالي: بالنسبة للسؤال الأول أجاب بن جوريون بقوله : على حد علمنا فإن أولئك الذي باعوا لنا اليورانيوم يفعلون ذلك بشرط أن يعود البلوتونيوم إليهم وردا على السؤال الثاني المتعلق بالضمانات أجاب الرجل العجوز قائلاً : لاتوجد ضمانات دولية فنحن لا نريد أن تتدخل دول معادية لنا في شئوننا وفي الوقت نفسه أعرب بن جوريون عن استعداده التام للسماح للعلماء من الدول الصديقة أو من المنظمات الدولية بزيارة المفاعل على ألا يتم ذلك في الحال.

وقال إن هناك غضباً في إسرائيل من التصرف الأمريكي الخاص بتسريب هذه المسألة وأعرب عن أنه يرى أن هذه الزيارة يمكن أن تتم خلال هذا العام وأجاب بن جوريون بالسلب على مسألة بناء مفاعل إضافي واختتم إجابته بالإعلان عن أن إسرائيل لا تعتزم تصنيع أسلحة نووية وقال بن جوريون كل ذلك سبق لي أن أعلنته في اجتماع الكنيست لقد أعلنته بوضوح وعليك أن تقبله كقيمة حقيقية.