ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

إيجال آلون

لم تنبع شهرة إيجال آلون من كونه عسكريا متميزا في حرب 1948 التي انتهت بإعلان قيام دولة إسرائيل، ولا من كونه وزيرا للعمل في الفترة 1961-1967 التي شهدت هزيمة يونيو ، وإنما لكونه صاحب نظرية في الأمن الإسرائيلي اعتمدت عليها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في رسم توجهاتها الإستراتيجية خلال العقود الأربعة الماضية.

ولد إيجال آلون في "كفار طابور" بالجليل عام 1918 لأبوين هاجرا إلى فلسطين من روسيا واشتركا في تأسيس مستوطنة "روشبينا" التي كانت أول مستوطنة في الجليل الأعلى.

تلقى إيجال تعليمه الأولي في مستوطنة روشبينا قبل أن ينضم إلى قوات الهاجاناه ويصبح قائدا لأحد تشكيلاتها في الفترة من 1936 – 1939، وبعد حرب 1948 واستقرار الدولة الإسرائيلية أكمل تعليمه في الجامعة العبرية ثم في جامعة أكسفورد في بريطانيا وتخصص في العلوم السياسية.

بالرغم من اعتناق إيجال آلون للفكر الاشتراكي فإن نظريته في الأمن الإسرائيلي التي أخذت بها المؤسسة العسكرية والسياسية في إسرائيل هي التي منحته شهرته الواسعة كقائد عسكري وكسياسي. وقد لخص آلون نظريته هذه في بحث نشره بعد عام 1967 تحت عنوان " الدروس المستفادة من حرب يونيو 1967 " ونشرته صحيفة معاريف آنذاك.

ومما جاء فيه "إن الأمن لا يتحقق بالضمانات الدولية ولا بالقوات الدولية ولا بمعاهدات السلام, إنه يتحقق فقط بالأرض، تلك الأرض التي تصلح كقواعد صالحة للهجوم الإسرائيلي في المستقبل. والحدود حينئذ يجب أن ترتكز على موانع طبيعية مثل القنوات والأنهار والممرات المائية والمرتفعات, على أن تبدأ بالاستيطان المسلح في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل فذلك خير من الإعلان عن ضمها".

ويؤكد آلون على أنه لا يمانع من انضمام الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الأردن شريطة عدم وجود قوات أردنية فيهما وتأمين الحدود الإسرائيلية الأردنية بإقامة مستوطنات أمنية على امتدادها.

اشترك آلون في تأسيس قوات البالماخ عام 1941 التي تخصصت في العمل ضد قوات الانتداب البريطاني ونشطت في استقدام المهاجرين اليهود غير الشرعيين إلى فلسطين.

أصبح آلون قائدا للبالماخ (فصيل عسكري صهيوني أنشئ قبل قيام دولة إسرائيل) في الفترة من 1945–1948، ومع بداية عام 1950 استقال من وزارة الدفاع ليبدأ مشواره السياسي.

عام 1954 أصبح آلون واحدا من زعماء حزب "أحدوت هاعفودا" أي "اتحاد العمال" الذي استمد قوته الأساسية من انضمام سكان المستعمرات الزراعية الاشتراكية إليه. وكان الحزب في بدايته جناحا يساريا داخل حزب الماباي ثم انفصل عنه ليعود إلى الاتحاد معه مرة ثانية فيما بعد.

انتخب آلون عام 1955 عضوا بالكنيست، وفي الفترة من 1961–1967 شغل منصب وزير العمل، وخلال الفترة من 1967–1969 كان نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للهجرة.

يبن عامي 1969 و1974 ظل آلون نائبا لرئيس الوزراء وعمل في الوقت نفسه وزيرا للتعليم والثقافة وعضوا في اللجنة الوزارية لشؤون الأمن والاقتصاد.

اختير آلون عام 1974 ضمن الوفد الإسرائيلي في المفاوضات التي جرت بين إسرائيل ومصر وسوريا عام 1974 وأسفرت عن فصل القوات المتحاربة.

وفي الفترة التي أعقبت حرب 1973 شغل منصب وزير الخارجية وظل في هذا المنصب لمدة ثلاث سنوات انتهت عام 1977.

وطوال الفترة من 1977 حتى 1980 كان آلون عضوا في لجنة الأمن والخارجية بالكنيست واللجنة العليا المختصة بلبنان. و ودع إيجال آلون المسرح السياسي الإسرائيلي بل والحياة عن عمر ناهز 62 عاما .

و لأننا و كما قلنا أن آيالون اكتسب شهرته كزعيم صهيوني من كونه صاحب نظرية في الأمن الإسرائيلي ، فإننا سنتعرض هنا لمشروعه ، الذي يجسد هذه النظرية ، التي سارت عليها إسرائيل فيما بعد .

يمكن القول إن "مشروع آلون" كان عبارة عن مشروع ذي ثلاثة أبعاد فهو أولا مشروع تسوية سياسية مع الفلسطينيين والعرب حيث تحدث عن قضايا الأرض المحتلة عام 1967 واللاجئين (إعادة مدن في الضفة الغربية وضم قطاع غزة وبعض مناطق شبه جزيرة سيناء ولاسيما المحور الأمني الممتد من العريش شمالا وحتى شرم الشيخ جنوبا لاعتبارات نظرية الحدود الطبيعية الآمنة.. الخ) وثانيا هو مشروع أمني كما وضح سلفا وثالثا هو مشروع استيطاني كما سيتضح في العرض التالي .

و "إيجال آلون" واحد من الآباء الأوائل للمشروع الصهيوني في فلسطين وكان أحد مقاتلي منظمة الـ"هاجاناه" التنظيم العسكري الصهيوني الأساسي الذي كان يقاتل في فلسطين قبل إعلان قيام الدولة العبرية عام 1948 والذي كان العمود الفقري لتأسيس "جيش الدفاع الإسرائيلي" (زاحال) في مرحلة ما بعد قيام الدولة.. والـ"هاجاناه" هي الذراع العسكري لـ"الوكالة اليهودية" وتأسست في القدس في عام 1920 وحلت محل منظمة الـ"هاشومير" أو "الحارس" وكانت أولا ذات صلة بحزب "الماباي"- وهو اختصار لعبارة"مفجت بوعالي آرتس يسرائيل" وهي عبارة تعني باللغة العبرية "حزب عمال أرض إسرائيل"- واتحاد العمال اليهود في فلسطين أو الـ"هستدروت"- الذي أصبح بعد إعلان الدولة العبرية اتحاد العمال الإسرائيليين- وكان اسم الـ"هاجاناه" أولا "هاجاناه وهاعفوداه" أي "الدفاع والعمل" بالعبرية ثم حذفت بعد ذلك كلمة "العمل" ليصبح اسمها منظمة "الدفاع" فقط.

تولى آلون منصب قيادة قوات الـ"هاجاناه" في منتصف عقد الثلاثينيات تقريبا ثم تولى رئاسة قوات "البالماخ" الذراع الضاربة للـ"هاجاناه"- وهي كلمة تمثل اختصارا لعبارة "بولجوت ماحاتس" أو "سرايا الصاعقة" بالعبرية وجرى تأسيسها عام 1941- وظل آلون قائدا لقوات "البالماخ" مع توليه بجانب ذلك منصب قائد القيادة الجنوبية في حرب عام 1948 عندما أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول "ديفيد بن جوريون" قراره الشهير عام 1948 بحل جميع الفصائل والمنظمات الصهيونية المسلحة ودمجها في "جيش الدفاع الإسرائيلي" الجديد بعد إعلان الدولة.

بعد هذا تولى آلون مجموعة من المناصب العسكرية المهمة في الجيش الإسرائيلي ما بين قيادة قوات المدرعات والقوات البرية وأخيرا تولى منصب نائب وزير الدفاع الإسرائيلي عام 1962 حتى أحيل إلى التقاعد في منتصف الستينيات الماضية واتجه إلى العمل السياسي بعد ذلك عن طريق حزب "ماباي" أبو حزب "العمل" الحالي .

وتولى منصب وزير العمل في حكومة "ليفي أشكول" وكان أحد أعضاء المطبخ السياسي والعسكري المصغر لرئيسة الوزراء الإسرائيلية الأسبق "جولدا مائير"- التي تولت رئاسة الحكومة في عام 1969 خلفا لأشكول- بصفته نائبا لها ولعب دورا كبيرا في توجيه سياسة الحرب الإسرائيلية خلال معارك أكتوبر 1973 حتى اعتزل الحياة السياسية والعسكرية نهائيا في أواخر عقد السبعينيات الماضية حتى وفاته.

وخلال حياته العسكرية والسياسية وفي عقدي الخمسينيات والستينيات كانت له مجموعة من الأطروحات الخاصة بالصراع العربي- الإسرائيلي وقضاياه سواء فيما يتعلق بملف اللاجئين الفلسطينيين أو ملف المياه وكان له دورا كبيرا في رسم السياسة الإسرائيلية فيما يتصل بقضيتين أساسيتين وهما أولا طرح مشروعات توطين اللاجئين في دول اللجوء أو في البلدان العربية المجاورة وكانت الأردن بالذات محل نظر خاص في هذا الشأن وثانيا مشروع تحويل مياه نهر الأردن وروافده لاستفادة "إسرائيل" من مياهه والذي كان إحدى اللبنات الأساسية في التوترات السورية- الإسرائيلية في الستينيات الماضية بجانب أنشطة العناصر الفدائية الفلسطينية المتسللة من الحدود السورية وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية لأزمة مايو 1967 التي قادت إلى حرب يونيو العربية- الإسرائيلية في ذلك الوقت.

بعد شهر واحد من حرب يونيو 1967 طرح آلون مشروعه الذي حظي بشهرة واسعة النطاق وتضمنت أفكاره النقاط الأهم التالية:

1- تحديد الحدود الشرقية للدولة العبرية بنهر الأردن وخط يقطع البحر الميت من منتصفه تماما مع المملكة الأردنية الهاشمية.

2- ضم المناطق لغور نهر الأردن والبحر الميت بعرض بضعة كيلومترات إلى نحو 15 كيلومتر وإقامة مجموعة من المستوطنات والتجمعات الزراعية والعسكرية والمدنية فيها بأسرع ما يمكن مع إقامة ضواح ومستوطنات سكنية يهودية في القدس الشرقية.

3- تجنب ضم السكان العرب إلى الدولة العبرية بقدر الإمكان حتى ولو أدى ذلك إلى تبني خيار الترانسفير أو التهجير بحق السكان الموجودين بالفعل في فلسطين 48 لمراعاة الاعتبارات الديمغرافية.

4- إقامة حكم ذاتي فلسطيني في الضفة الغربية في المناطق التي لن تضمها "إسرائيل".

5- ضم قطاع غزة إلى الدولة العبرية بسكانه الأصليين فقط مع نقل لاجئي 1948 الموجودين في القطاع وتوطينهم الضفة الغربية أو إلى العريش التي كانت محتلة آنذاك.

6- حل مشكلة اللاجئين على أساس تعاون إقليمي يتمتع بدعم ومساعدة دولية سياسية ومادية على أن تقوم" إسرائيل" بإقامة قرى "نموذجية" للاجئين- طبقا لما ورد في المشروع- سواء في الضفة الغربية أو في سيناء.

وقد قام آلون بعرض مشروعه هذا على الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت ورغم أنها لم تعتمده بشكل رسمي إلا أنه ظل الأساس الذي تبني عليه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بعد ذلك مختلف تصوراتها للتسوية السلمية فيما يخص الملف الفلسطيني.

وفيما يتصل بالقدس في هذا المشروع يلاحظ تماشي "مشروع آلون" مع أفكار وسياسات الحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق بهذا الملف- جرى الإعلان عن ضم المناطق التي احتلت عام 1967 بعد وقف إطلاق النار بأيام قليلة وتحديدا في 28 يونيو ومن ذلك توسيع حدود بلدية القدس لتشمل القدس الشرقية والبلدة القديمة- حيث أن توسيع حدود الدولة العبرية شرقا إلى نهر الأردن والبحر الميت معناه ضم القدس الشرقية إلى" إسرائيل" بعد أن جرى الاستيلاء على الشطر الغربي منها في حرب عام 1948 كما أن المخططات الاستيطانية والسياسات السكانية والإدارية والبلدية الإسرائيلية في الضفة الغربية (طرد السكان الأصليين، الاستيلاء على الأراضي ، توسيع حدود بلدية القدس.. الخ) تدور أغلبها كما يرى "مشروع ألون" ومشروعات أخرى مماثلة طرحت تباعا يبغي لها أن تركز بالأساس على "القدس" تحقيقا لأحد أهم أهداف وشعارات المشروع الصهيوني في فلسطين وهو "القدس عاصمة أبدية وموحدة لدولة إسرائيل".

و لا يمكن فصل "مشروع آلون" عن أمرين أساسيين أولهما طبيعة الرجل الذي طرحه وخلفياته الأمنية والعسكرية التي سبق وأن أشرنا إلى بعض من ملامحها في موضع سابق والأمر الثاني طبيعة الكيان الصهيوني ذاته وأهمية اعتبارات الأمن فيها.

ومن خلال مجموعة من الأوراق الخاصة بآلون ذاته أو عدد من المسئولين والأكاديميين الإسرائيليين الآخرين يمكن فهم طبيعة الخلفيات السياسات الأمنية والسياسية التي دفعت آلون إلى طرح مشروعه سالف الذكر والذي يعتبر أول ما طرح من أفكار لبلورة وتطبيق المخططات الإسرائيلية لاستكمال السيطرة على مدينة القدس بأكملها بعد قرار توسيع بلدية القدس الغربية لتشمل المناطق التي احتلت عام 1967.

في أواخر عام 1968 نشر "إيجال آلون" مجموعة من المقالات في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أوضح فيها مجموعة الاعتبارات التي حكمت مشروعه والتي هي في ذات الوقت الحاكمة لنظرية الأمن الإسرائيلية وبالذات فيما يتصل بقضية الحدود الآمنة ونظرة الدولة العبرية لمستقبلها في هذا الشأن وضمنها مجموعة من الأفكار التي كونت من قبل صلب مشروعه السياسي والأمني هذا.

وفي هذه المقالات حدد آلون مفهوم "الحدود الإسرائيلية الآمنة" كما تراه الدولة العبرية على النحو التالي: "إن الحدود الآمنة هي تلك الحدود السياسية التي ترتكز على عمق إقليمي وموانع طبيعية مثل المياه والجبال والصحراء والممرات الضيقة التي تحول دون تقدم جيوش برية مزودة بالمدرعات وهي الحدود التي تمكن من اتخاذ وسائل الإنذار الفعالة ضد اقتراب الطائرات المعادية من ناحية ومن ناحية أخرى فإنها هي الحدود التي يمكن أن تستخدم كقواعد مناسبة للقيام بهجوم مضاد".

وتوضح هذه السطور أبعاد الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي في ضوء "الهدف الأدنى" للحقبة الحالية من الصراع العربي- الإسرائيلي باعتباره فكرا يتميز باتجاهين هما: التوسع والعدوان متخذا من الأمن حجة يبرر بها مطامعه ويخفي خلفه حقيقة تطلعاته المتطرفة.. ويتبلور الاتجاه التوسعي تلقائيا من خلال عناصر الأمن الثلاث التي حددها آلون: "العمق الإقليمي الإستراتيجي" و"الحدود المرتكزة على موانع طبيعية" و"المجال الجوي الواسع الذي يوفر إنذارا لمنطقة وسط إسرائيل".

إن هذه العناصر الثلاثة إنما تعني في حقيقتها ضم مساحات واسعة من الأراضي العربية المحتلة تمتد حتى ترتكز على موانع طبيعية يمكن اتخاذها كحدود آمنة وفي نفس الوقت تضم العمق الجغرافي والمجال الجوي الواسع.

يبقى "الاتجاه العدواني" الذي يعتبر أخطر هذه الأبعاد ذلك لأنه يلقي الضوء على طبيعة السياسة الحربية والأمنية الإسرائيلية ونواياها المتعلقة بالمستقبل البعيد والهدف الأقصى فإنه حتى إذا تحققت التسوية التي توفر "لإسرائيل" ما تبغيه من حدود آمنة وفقا لشروطها فذلك لا يعتبر كافيا لحد ذاته.. يضيف آلون شرطا أخيرا يجب توافره في هذه الحدود فيدعو إلى: "أن تكون هذه الحدود صالحة للاستخدام كقواعد للهجوم المضاد" وهو ما يعني أن هذه الحدود وإن كانت حدودا آمنة لإسرائيل فهي غير آمنة لجيرانها لأنها لن تضع حدا لعدوان جديد أو توسع مرحلي آخر ضدها.

ومن خلال مقالات آلون وغيرها من المصادر العبرية يمكن تحديد ركائز الإستراتيجية الإسرائيلية لتحقيق هذه الغاية فيما يلي:

1- محاولة إرغام العرب على قبول الوجود الإسرائيلي الصهيوني في الأراضي العربية المحتلة والاعتراف به.

2- تأمين هذا الوجود داخل حدود يتوافر فيها الأمن بمفهومه العسكري والاقتصادي والاجتماعي.

3- السعي نحو التوسع الإقليمي المتدرج تحقيقا لتأكيد البقاء واستمرار النمو نحو "المجال الحيوي" لـ"إسرائيل".

وتتلخص الاتجاهات الأساسية في مشروعات الأمن التي تمثل السياسة الإسرائيلية بشأن الأراضي العربية المحتلة فيما يلي:

* ضم أجزاء من المناطق العربية لتشكل "نطاق أمن حول "إسرائيل"" يؤمن جبهاتها الثلاث: فوق المرتفعات السورية وعلى امتداد نهر الأردن في مواجهة الضفة الشرقية للنهر وكذلك في المنطقة المواجهة للحدود المصرية والتي كانت إبان طرح آلون لمشروعه تمتد داخل حدود سيناء المحتلة وخط الأمن الإسرائيلي فيها من العريش شمالا وحتى شرم الشيخ جنوبا.

خلق وجود إسرائيلي عسكري في كل هذه المواقع ومدني في معظمها باحتلال المواقع الإستراتيجية ولإقامة المستعمرات الزراعية والدفاعية فيها.

وقد ركز المشروع الذي وضعه "إيجال آلون" الاهتمام الأساسي له على الضفة الغربية لنهر الأردن وهو يتضمن- كما سبق القول- ضم قطاع عرضه 15 كيلومتر على طول وادي الأردن حتى البحر الميت بشرط ألا يتواجد أي سكان من العرب في هذه الأراضي وطالب المشروع بضم بعض النواحي في منطقة رام الله بشكل يضمن وقوع طريق اللطرون- القدس داخل نطاق "إسرائيل" كذلك ضم جبل الجليل لحماية القدس ولربط هذه المنطقة بمنطقة بئر السبع لتوسيع الثغرة بين الحدود الأردنية جنوب القدس والحدود المصرية الشرقية- طرح آلون مشروعه هذا عندما كانت الضفة الغربية تابعة إداريا للأردن وتعتبر القدس الشرقية داخل الحدود الأردنية الإدارية- كما يتضمن كذلك وجود ممر يربط الضفة الغربي بالضفة الشرقية للأردن يستخدمه العرب بحيث يسمح لـ "إسرائيل" بالسيطرة على هذا الممر عند الضرورة.

بالإضافة لذلك طالب المشروع بتجريد الضفة الغربية من السلاح وعدم السماح بوجود أي جيش عربي بداخلها وبذا يبقى سكانها العرب بين شقي الرحى الإسرائيلية وتحت رحمة الحصار المحكم للوجود الإسرائيلي في السهل الساحلي الإسرائيلي من ناحية ونطاق الأمن الإسرائيلي على نهر الأردن من ناحية أخرى.

وعلى ذلك فإنه طبقا لـ"مشروع آلون" فإن سيطرة "إسرائيل" على هذه الأراضي العربية وسعيها إلى ضمها عمليا على أراضيها في خطوات تدريجية إنما يعطي "لإسرائيل" مع مرور الزمن مزايا إستراتيجية وحقوقاً سياسية كبيرة خاصة عندما يصبح تهويد هذه الأراضي أمرا واقعا وحقيقة قائمة وتحاول "إسرائيل" تغطية مرامي مخططاتها هذه وأهدافها البعيدة بوسائل عديدة منها عدم الإعلان بشكل مباشر عن الخطوات المتخذة لخلق حقائق وأوضاع جديدة معينة في الأراضي المحتلة وكذلك الحديث عن الإشراف العسكري وليس الضم بالنسبة للأراضي الفلسطينية المحتلة في ذلك الوقت.

وقد تعرض "شاؤول فريدلاندر" أستاذ التاريخ المعاصر والعلاقات الدولية بالجامعة العبرية في السبعينيات الماضية بإسهاب فطالب بعدم إعلان ضم الأراضي العربية والاكتفاء بالإشراف العسكري عليها لفترة طويلة تراوح ما بين 20 إلى 30 عاما مستندا في طلبه هذا- كتطوير لـ"مشروع آلون" في ذلك الوقت- إلى الآتي:

إن ضمان عدم ضم "إسرائيل" لأراض جديدة هو الشرط الأول لضمان إقرار سلام حقيقي مع العرب.

إن إشرافا عسكريا لمدة 20 أو 30 عاما على بعض المناطق الإستراتيجية يعتبر كافيا لتثبيت طبيعة السلام الذي سيتم إقراره وفقا لهذه المخططات في المنطقة العربية والشرق أوسطية.

في حالة استئناف القتال بعد بضع عشرات من السنين وبعد إجلاء "إسرائيل" عن الأراضي المعنية فإن أنواع الأسلحة في ذلك الوقت ستلغي قيمة الإشراف على عدة آلاف من الكيلومترات المربعة الزائدة.

إن للعرب حقا في امتلاك جزء من فلسطين تماما كاليهود.

ولم يتعرض فريدلاندر للمخططات الرامية لخلق حقائق الوجود الإسرائيلي في هذه المناطق- القدس وما حولها من مناطق الضفة الغربية بالذات- بحيث تتحول هذه الحقائق بعد عدة سنوات إلى وضع راهن لا يمكن تغييره كما حدث تماما بالنسبة للأراضي العربية التي استولت عليها "إسرائيل" خارج قرار التقسيم عام 1948 والتي قامت بتهويدها وبإزالة جميع المعالم العربية منها وبما في ذلك سكانها.

وعندما تحدث كل من آلون وفريدلاندر عن قضية الحدود الآمنة بوجه عام دون الإتيان على ذكر القدس بشكل خاص لا يعني ذلك أن المدينة المقدسة غير معنية تماما بـ"مشروع آلون" هذا بل إنها تقع في صلب مخطط الأمن الإسرائيلي بجانب اهتمام اليهود بها لأسباب دينية.

فعند النظر سريعا إلى الطبيعة الجغرافية للمدينة نجد أنها عبارة عن مدينة جبلية ترتفع عن سطح البحر نحو 2500 مترا وتقع على خط عرض 31 شمالا وخط طول35.13 شرق خط جرينتش وتبعد عن نهر الأردن نحو 55 كيلومتر وعن غرب مدينة أريحا حوالي 25 كيلومتر وهي بذلك تعتبر محصورة فيما بين البحر الميت شرقا والبحر الأبيض المتوسط غربا ومن أهم جبال المدينة جبل "الزيتون" وجبل "سكوبس" أو جبل "صهيون" وجبل "المكبر".

ومن هنا يتضح لنا مدى حاكمية موقع المدينة على الطرق المدنية والعسكرية الواصلة بين أطراف الضفة الغربية وعمق الدولة العبرية من جهة وبين منطقة شرق الأردن من ناحية أخرى كما أنها تعتبر ملتقى الطرق التي تقود من شمال فلسطين القديمة وغربها إلى جنوب الضفة الغربية وحتى جنوب فلسطين المحتلة عام 1948 في النقب وإيلات وكلها مناطق حساسة في الإستراتيجية الأمنية والسكانية الإسرائيلية مما يفرد ويبرز أبعادا جديدة لنظرية الأمن القومي الإسرائيلية فيما يتعلق بمسألة الاحتفاظ بمدينة "القدس" طبقا لمشروع "إيجال آلون" الذي أصبح بعد طرحه بما يزيد على الثلاثة عقود وثيقة مهمة في التفكير الإستراتيجي للدولة العبرية فيما يتعلق بالأمن وفيما يتعلق بالقدس.

و بخلاف ملف الحدود الإسرائيلية الآمنة يرتبط "مشروع ألون" داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بقضية أخرى مهمة فيما يتصل بالقدس المحتلة وهو ملف الاستيطان حيث يعتبر هذا المشروع الذي طرحه وزير العمل الإسرائيلي عام 1967 المُنَظِّر أو الأساس الأول لسياسات الاستيطان التي تبنتها حكومات "الماباي" وحزب "العمل" فيما بعد بخلاف فترات الانقطاع عن السلطة والتي بدأ "العمل" وتكتلات اليسار في الدولة العبرية في "معاناتها" منذ سقوط حكومة "إسحق رابين" الأولى عام 1977 .

وتولي تكتل "الليكود" بزعامة "مناحيم بيجين" الحكم في ذلك الوقت على خلفية فضيحة الفساد التي تكشفت في حق "ليئه رابين" قرينة رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذاك الوقت حيث كشف محرر صحيفة الـ"ها آرتس" الأشهر "دان مرجليت" عن وجود حساب مصرفي لزوجة رابين في أحد المصارف الأمريكية بخلاف ما ينص عليه القانون الإسرائيلي.

فمنذ عام 1967 وحتى عام 1977- حيث وقع أكبر انقلاب سياسي في تاريخ "إسرائيل"- ظل "مشروع آلون" هو الأداة الأفعل في أيدي ساسة الدولة العبرية لتطوير مشروعاتهم الاستيطانية والأمنية في الأراضي الجديدة التي استولوا عليها في نصر يونيو السهل الذي نالوه عام 1967.

وقد نص المشروع في هذا الإطار ضمن ما نص عليه بإقامة "سلسلة من المشروعات الاستيطانية الكبرى" يرعاها الجيش الإسرائيلي على امتداد غور الأردن وحول القدس وفي جبل الخليل وكذلك الإقدام فورا على بناء عدد من الأحياء السكنية اليهودية في منطقة الشرق من مدينة القدس الشرقية بالإضافة إلى إعادة بناء الحي اليهودي في البلدة القديمة أي في المناطق المسماة بـ"المناطق الأمنية".

وبوحي من "مشروع آلون" أصدرت الحكومة الإسرائيلية والسلطات العسكرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد حرب يونيو 1967 مجموعة من القرارات الإدارية ذات الطابع السياسي والأمني بالأساس غطت مختلف نواحي الحياة في الضفة الغربية وباقي الأراضي المحتلة لاسيما فيما يتصل بملفي الأرض والاستيطان مع إضفاء الصبغة القانونية على عملية الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين بموجب "مشروع آلون".

فعلى سبيل المثال استولت قوات الاحتلال بموجب الأمر رقم "59" لسنة 1967 بشأن "أملاك الحكومة" على نحو 100 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية بحلول عام 1977م وارتفع الرقم إلى 450 ألف بحلول صيف عام 1984 كما أنها استولت على مساحات كبيرة أخرى من الأرض بموجب القرار رقم "58" بشأن "الأموال المتروكة- الممتلكات الخصوصية" والأمر بشأن "تعليمات الأمن" لعام 1967 أيضا وذلك كله بوحي من "مشروع آلون" أساسا.

وفيما يتصل بسياسة "إسرائيل" الاستيطانية في القدس وخاصة البلدة القديمة خلال هذه الفترة نجد أنها بدأت بعد احتلال المدينة بفترة وجيزة وتحديدا في 28 يونيو 1967 أي بعد 18 يوما فقط من احتلال القدس الشرقية حيث وضعت الحكومة الإسرائيلية آنذاك اللبنات الأولى للسيطرة على مدينة القدس ومنطقتها تمهيدا لتهويدها.. حيث أصدرت الحكومة في ذلك اليوم مرسوما يستند إلى "قانون أنظمة السلطة والقضاء" الصادر عام 1948 ويستند بموجبه "قانون الدولة وقضاؤها وإدارتها" على مساحة تبلغ 70 ألف دونم وتتضمن القدس القديمة بالإضافة إلى المناطق المحيطة بها والتي تمتد من "صور باهر" جنوبا إلى مطار "قلندية" شمالا .

كما أصدر وزير الداخلية إعلانا في الجريدة الرسمية بإلحاق منطقة القدس الموسعة بمنطقة صلاحية مجلس بلدية القدس (الغربية) اليهودي وبذلك توسعت منطقة صلاحية مجلس البلدية اليهودي إلى ثلاثة أضعاف وأصبحت تعادل نحو 20% من مساحة الضفة الغربية.. وكانت الأراضي التي ضمت حديثا تعادل14% من هذه المساحة.. وفي 18 أغسطس من ذلك العام قررت الحكومة أن تفوض رئيسها تسريع عملية البناء والإسكان في منطقة "القدس الكبرى".

ومنذ ذلك الحين تبنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سياسة منهجية ثابتة حيال القدس تجسدت في ترسيخ السيطرة اليهودية على المدينة ومحيطها وتعزيز وحدتها الجغرافية والمادية وكانت هذه السياسة ولا تزال تهدف بوضوح إلى منع تقسيم القدس لاحقا وهو ما شكل ركنا وطيدا في الإجماع القومي والسياسي الصهيوني .

وقد تمت ترجمة سياسة التهويد هذه من خلال جملة من الإجراءات والقرارات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية على امتداد ثلاثة عقود ماضية من خلال الخطط الاستيطانية المكثفة داخل القدس وفي محيطها وفي الاستيلاء على الأراضي والعقارات الفلسطينية وتقييد البناء العربي على هذه الأراضي وطرد سكان القدس ومنع عودة من يغادر منهم لأي سبب حتى لو كان داخل نطاق الأراضي الفلسطينية المحتلة وغير ذلك من الإجراءات وذلك طبقا لمشروعين أساسيين :

أولهما "مشروع آلون" والثاني "مشروع دروبلس" وهو النظير الليكودي لمشروع آلون الذي جسد رؤى حزب "العمل" الاستيطانية وهو ينسب إلى "متتياهو دروبلس" رئيس دائرة الاستيطان في "المنظمة الصهيونية العالمية" في السبعينيات الماضية.

وكانت أولى الخطط الاستيطانية المتعلقة بالقدس هي الخطة التي بلورها "يهودا تامير" نائب المدير العام لوزارة الإسكان الإسرائيلية في عام 1968 أي بعد عام من الاحتلال تقريبا واستنادا إلى "مشروع آلون" وتضمنت الخطوط الأساسية لهذه الخطة (التي كانت خمسية أولا ثم أصبحت ثلاثية بضغط من رئيس الوزراء الأسبق - آنذاك - "ليفي أشكول") إيجاد تواصل يهودي بين شطري المدينة من الشمال والجنوب إذ قضت بإقامة سبعة آلاف وحدة سكنية في الشمال بدءا من التلة الفرنسية وامتدادا باتجاه شارع النبي صموئيل وبوابة نابلس .. وكذلك إقامة عدد غير محدد من المساكن في الجنوب بحيث يمتد البناء باتجاه قصر المندوب وقرية صور باهر ومضاعفة مباني الجامعة العبرية على جبل "سكوبس" وإقامة مكاتب حكومية ومراكز تجارية في منطقة الجبل واستيطان الحي اليهودي داخل القدس القديمة .

بعد ذلك ، جرى هدم حي المغاربة المواجه للحائط الغربي للمسجد الأقصى وبناء ساحة كبيرة محله لتصبح مزارا دينيا لليهود باعتبار ما يدعونه حول حائط البراق من أنه "حائط المبكى" آخر الآثار المتبقية من الهيكل السليماني الثاني .

وتعتبر خطة تامير- التي بنيت على أساس تصورات إيجال آلون"- نموذجا لمشاريع استيطان القدس وتهويدها (وللمشاريع الإسرائيلية إجمالا لحد بعيد) وذلك من زاويتين: ستار السرية والغموض التي يلفها واستراتيجية "الوصل" (بين النقاط الاستيطانية) و"الفصل" (بين المجتمعات العربية) وإلقاء الأطواق الاستيطانية (فيما يتعلق بالقدس بالذات).

وقد ناقشت الحكومة الإسرائيلية مخططات أخرى مثل المخطط الرئيسي للقدس الذي نشر في 18 يوليو 1970 والذي يهدف إلى تحويل القدس بشطريها إلى مدينة واحدة ذات أغلبية يهودية مطلقة.. لكن بلدية القدس و وزارة الإسكان اللتين تبنتا قرارات ومشاريع استيطانية منفصلة لم تتقيدا دائما بهذا المخطط وأصبح المبدأ الرئيسي الموجه لسياسة البناء في المدينة هو: زيادة الوجود اليهودي في القدس الشرقية.

ومهما يكن الأمر فإن حكومات تكتل "المعراخ" بناء على "مشروع آلون"- غير الرسمي !!- صادرت نحو 17 ألف دونم في منطقة القدس وأقامت الضواحي الرئيسية عليها وهذه الضواحي هي: "راموت، نفي يعقوب، رامات أشكول، سنهدريا الموسعة، جفعات همفاتير، التلة الفرنسية، قصر المندوب" .

وبذلك فإن تلك الحكومات وضعت الأساسات اللازمة لاستيطان القدس وتهويدها ولتفعيل صيغة "القدس الكبرى" عن طريق الأمر الواقع وحتى عندما عاد حزب العمل إلى السلطة عام 1992 فإن حكومته الجديدة استثنت القدس (ومناطق محتلة أخرى) من قرار "تجميد الاستيطان" الذي اتخذته في يوليو 1992 استكمالا لتصورات "مشروع آلون" طبقا للباحث "خالد عايد" من "مؤسسة الدراسات الفلسطينية".

ويؤكد "بني موريس" أحد المؤرِّخين "الإسرائيليين" الجدد في تناوله لسيرة آيجال آلون و دوره الدموي في قيام إسرائيل ، أن قادة الصهاينة الأوروبيين كانوا قد ناقشوا سراً، وأعدوا خططاً لطرد السكان العرب من فلسطين في مدينة "زيورخ" السويسرية عام1937، وظنوا أنهم يمكنهم أن يرحِّلوا خمسمائة ألف بهدوء وسلام، إلا أن "بن جوريون" قال لاحقاً في عام1941: "لا يمكن أن نتخيل ترحيلاً بدون اللجوء إلى القوة"!

كان هذا الكلام حبيس الجدران وسرياً للغاية، بينما كانوا يعدُّون للرأي العام أسطورة مختلفة ومخالفة للحقيقة.. "لقد كذبوا، وكذبوا، وزوَّروا".. يصرخ جدعون ليفي: "لقد كان العرب دائماً هم الأشرار، وكنا نحن اليهود الضحايا دائماً.. هذا هو ما أخبرونا به!".

والحقيقة التي اكتشفها "موريس" من خلال البحث في الأرشيف "الإسرائيلي" هي أنه لا يوجد أي دليل على أن أحداً من القادة العرب ناشد أو طلب من الفلسطينيين ألا يتركوا منازلهم في عامَيْ 1948و1949، و"لا توجد حالة واحدة ترك فيها الفلسطينيون بيوتهم دون أن يُهاجَموا".. والعكس هو الصحيح، فقد رصدت الاستخبارات "الإسرائيلية" نداءات من القادة العرب تطلب من الفلسطينيين ألا يتركوا بيوتهم، ونداءات لمن تركوها بالعودة إليها.

والنتيجة التي توصل إليها "بني موريس" ومؤرِّخون "إسرائيليون" آخرون هو أن فرار الفلسطينيين نتج عن سياسة "تطهير عرقي متعمدة" للقوات الصهيونية للقرى العربية التي غزوها.

وطبقاً للوثائق فقد كان الجنرال "إيجال آلون" في 12مايو1948 يُلقِي منشوراً كلما اقترب من قرية فلسطينية مكتوباً فيه بالعربية : " إذا لم تغادروا في الحال، فسوف تُذبَحون جميعاً وتُغتصَب بناتكم".. "ولم تكن هذه مجرد تهديدات فارغة "!

و هكذا كان الترحيل مقصوداً ومرغوباً ومنسقاً ومرتباً ومنفذاً من خلال أعمال بربرية، وقتل للمدنيين، ونهب، وتدمير للممتلكات والبيوت من منطقة لأخرى، وتمت نصف أعمال الترحيل قبل تدخُّل القوات العربية".

واستنتج "جيل أهرليتش" مؤرِّخ "إسرائيلي" أن اثنتي عشرة مذبحة على الأقل، قُتِل في كل واحدة منها خمسون ضحية في المتوسط، قد ارتُكبت أثناء اغتصاب فلسطين ، بالإضافة إلى مائة حادثة قتل أخرى لمجموعات وأفراد..

ويتحدث " أهرليتش" عن "مؤامرة صمت" تحيط بالمذابح التي ارتكبتها قوات الصفوة من الجيش "الإسرائيلي"، والتي استمرت حتى إلى ما بعد قيام دولة "إسرائيل".

ويقول "سيلفان سيبل" مراسل لوموند، الذي عاش اثنتي عشرة سنة في "إسرائيل" وخدم في الجيش: "عندما وقعت الحوادث الأولى للترحيل لم يعترض أحد، ولم يتسلم ضابط محلي أي أمر بالتوقف، ولذلك فَهِمَ الجميع أن هذه هي السياسة وهذه هي التعليمات، وأنه لا حاجة لتعليمات صريحة"!

و كواحد من أكبر زعماء الحركات الصهيونية الإرهابية و العنصرية ذات الطابع العسكري ، قال إيجال ألون ذات مرة : "علينا العمل وفق سياسة الزحف الاستيطاني من أجل الوصول إلى بناء الخريطة السياسية لدولة "إسرائيل" العظمى ، و إن أمن و سلامة (إسرائيل) أرضاً و شعباً يقتضي إلغاء جميع الخرائط الحدودية التي رُسمت للدولة زمن الهدنة 1948) و إن التوسّعات التي قامت بها "إسرائيل" خلال السنوات العشرة الأخيرة و في ظلّ ما يسمّى مسيرة السلام (سلام الشجعان) قد غيّرت فعلاً كل المعالم الجغرافية اذ لم يبقَ لنا نحن الفلسطينيين من أرضنا المحتلة سنة 67 إلا ما هو أقلّ من أربعين بالمائة ، و أن الجدار العنصري يعتبر ترسيماً جبرياً للحدود فيما لو تم التوصل إلى حلّ نهائي (و إن علينا إطلاق إرادتنا في توسيع سياسة الاستيطان من جهة و عدم التخلّي عن مرتفعات الجولان السورية الاستراتيجية من جهة ثانية و تأمين القدرة الدفاعية على طول الشريط الأمني على وادي الأردن عن طريق زرع مستوطنات مسلحة ، و هذا فعلاً ما اتجهت إليه و عملت على تنفيذه الجهات الرسمية "الإسرائيلية" و مازالت ، و يكفي هنا التذكير بأنه و حتى شهر يناير من عام 2002 فقد بلغت المستوطنات في الضفة و القطاع 182 مستوطنة يسكنها حوالي 180 ألف يهودي ، و تحتوي هذه المستوطنات على (11000) بناء دائم ، و (4050) بناء مؤقتاً أي بمجموع (15050) !!