ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

فلاديمير جابوتنسكي

يعتبر فلاديمير جابوتنسكي أحد أكبر رموز التطرف في تاريخ الحركة الصهيونية كما أنه يعد الأب الروحي لأخطر زعماء كتلة الليكود في إسرائيل الآن، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو، ومن قبله أرئيل شارون وغيرهم.

ولد جابوتنسكي عام 1880 في "أوديسا" بروسيا ويعد هذا اليهودي الروسي مؤسس وزعيم ما اصطلح المؤرخون اليهود على تسميته بـ "الحركة التصحيحية الصهيونية".

وتعرف هذه الحركة أيضاً بـ "التنقيحية"، ويشار بها إلى صهيونية "جابوتنسكي" التي ظهرت داخل المنظمة الصهيونية عام 1923 بهدف تصحيح السياسة الصهيونية، وهذا التيار أساساً من شرق أوروبا، ونادى برنامجها بإنشاء دولة صهيونية على ضفتي نهر الأردن ورفع القيود عن الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، ومصادرة جميع الأراضي المزروعة والعامة في فلسطين، وتأجيل الصراع الطبقي، وسحق التمرد العربي دون اللجوء إلى بريطانيا، وإنشاء وحدات عسكرية، وفي عام 1935 انفصل التصحيحيون عن المنظمة الأم وأسسوا "المنظمة الصهيونية الجديدة"، ولعبت المنظمة دوراً هاماً في تأسيس المنظمات العسكرية.

وانقسمت الحركة التصحيحية على نفسها في المؤتمر الصهيوني الثامن عشر الذي عقد في براغ عام 1933، وخرج الجناح الديمقراطي منه، ولهذا شهد المؤتمر التاسع عشر الذي عقد في لوسيرن 1935 غياب التصحيحيين عن المنظمة الصهيونية الأم لكي يشكلوا "المنظمة الصهيونية الجديدة", وقرر المؤتمر إعادة وايزمان إلى رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية.

وكان الغرض الأساس للحركة الصهيونية بصفة عامة السعي الدائم والمستمر لجمع أكبر عدد من اليهود في العالم، وتجمعهم في فلسطين لتتم عملية انقلاب ديمقراطي لحل اليهود محل أهل البلاد، فالهجرة اليهودية إلى فلسطين كان لها الجهد الأكبر، والأهم في عمل الصهيونية العالمية، وقد رصد لها القدر الأكبر من الأقوال، بل كانت الهجرة هي المحور الأساس الذي تدور حوله المؤتمرات الصهيونية.

وتدفقت الهجرة في خمس مراحل إلى فلسطين ابتداء من ثمانينيات القرن التاسع عشر، وانتهاء برحيل بريطانيا عن فلسطين عام 1948، ليبلغ عدد اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين 483.000 يهودي.

وعندما عقد مؤتمر العشرون في "زيورخ" 1937 وضم نحو500 مندوب يمثلون مليوناً ونصف المليون يهودي، احتفل بمرور 40 عاماً على قيام المؤتمر الصهيوني الأول وأعلن المؤتمر رفضه لمشروع التقسيم الذي تقدمت به لجنة "بيل الملكية" في 7 يوليو 1937 وانتخب "بن غوريون" لرئاسة اللجنة التنفيذية.

وحين عقد المؤتمر الواحد والعشرين في جنيف 1939 عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية سارع الصهيونيون إلي إعلان رفضهم للكتاب الأبيض الذي صدر بعد رفض العرب لمشروع التقسيم والذي يجعل الهجرة تتم بموافقة العرب وهم الأغلبية وأصحاب البلد الشرعيين، واعتبر الصهيونيون أن الكتاب الأبيض الذي صدر في عام 1939 لا يتفق مع مواد صك الانتداب.

وبهذا المؤتمر تنتهي الفترة الممتدة من تاريخ الصهيونية ما بين وعد بلفور إلي إعلان الكتاب الأبيض عام 1939 وهي الفترة التي أطلق عليها بن جوريون اسم الصهيونية السياسية.

درس جابوتنسكي الحقوق في جامعات سويسرا وايطاليا وكانت بداياته في العمل العام في الكتابة الصحافية لبعض الصحف الروسية، وظهرت عليه علامات التقرب من الصهيونية في أعقاب بعض الأعمال المضادة لليهود في أوديسا عام 1903، فأخذ ينادي بضرورة محاربة التوجهات اللاسامية في روسيا خاصة وفي أوروبا عامة.

وتوصل جابوتنسكي إلى قناعة بأن مصير الصهيونية مرتبط إلى حد كبير بمسألة "انتزاع فلسطين من أيدي الأتراك"، وأنه من الضروري المساهمة في المجهود الحربي لتحقيق هذه الغاية إلى جانب الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى.

ولم يمض وقت طويل حتى تولى جابوتنسكي قيادة الوحدة رقم 38 في الجيش البريطاني، وكان ذلك في عام 1917 ورُقي إلى رتبة ليفتينانت، وكان من أوائل الجنود الذين عبروا الأردن.

ولما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها دعا إلى الاستمرار في التجند للكتائب العسكرية بحجة حماية المستوطنات في فلسطين، ولهذا اصطدم مع زعامة الحركة الصهيونية وعلى رأسها حاييم وايزمان.

 واعتبر جابوتنسكي أن توجه الصهيونية لين ومرن أكثر من اللازم وألقي القبض عليه إثر قيامه بعمليات اعتداء على فلسطينيين في أبريل 1920 في القدس، ضمن سلسلة العمليات الارهابية التي نظمتها الهاغانا، وحُكم عليه بالسجن مدة خمسة عشر عاماً مع الأشغال الشاقة في سجن عكا.

وفي عام 1920 أصدرت حكومة الانتداب البريطانية في فلسطين حكماً بالسجن 15 عاماً على جابوتنسكي لانخراطه في القتال ضدها، وكان قد شكل عصابة الألوية اليهودية المسلحة لقتال العرب في فلسطين عام 1915.

وقد أثار الحكم عليه ضجة واسعة في المستوطنات وخارج فلسطين ما دفع بعض القيادات الصهيونية إلى وضعه على رأس قائمة المرشحين لحزب "أحدوت هعفودا"، استعداداً لانتخابات جمعية المندوبين الأولى، ولما أُفرج عنه من السجن في صيف 1920 إثر نيله عفواً عاماً تقرب من وايزمان وضُمّ إلى الإدارة الصهيونية العامة، وكان من بين الموافقين على التنازل عن المطالبة بالأردن، وهكذا قبل "الكتاب الابيض" الذي أصدره تشرتشل عام 1922.

وبعد إطلاق سراحه في سبتمبر عام 1921 من سجن عكا، عاد إلى لندن وفي العام نفسه، انتخب في اللجنة التنفيذية للحركة الصهيونية، لكنه استقال عام 1923 احتجاجاً على سياسات المفوض الأعلى هربرت صموئيل، داعياً إلى سياسة أكثر جذرية لإجبار البريطانيين على تنفيذ وعودهم في تحقيق مطالب الصهاينة بإقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين".

ولكن تقارب جابوتنسكي مع وايزمان لم يدم فترة طويلة، إذ إنه قام عام 1923 بالانسحاب من الإدارة الصهيونية العامة وأعلن عن تأسيس حركة (بيتار) وأصبح رئيسا لها.

تبنى جابوتنسكي خط هرتزل في الفكر الصهيوني الداعي إلى تحضير الظروف السياسية لكل عملية استيطانية، وأخذ ينادي إلى توضيح صريح للهدف الصهيوني، وتبنى أيضاً شعار (ضفتي الأردن) ما أثار غضب حكومة الانتداب البريطانية وما حدا بسلطات الانتداب إلى منعه من دخول فلسطين إلى أجل غير مسمى عام 1930.

وقد واجه جابوتنسكي الحركة العمالية التي اتهمها بأنها حجر عثرة أمام تحقيق الفكر الصهيوني، أما الحركة العمالية فوجهت إليه تهماً شديدة بأنه ديماغوجي وفاشي وعدو للعمال، وساءت العلاقات بينه وبين الحركة العمالية في مطلع الثلاثينيات وبالأخص في أعقاب مقتل اورلوزروف عام 1933.

جرى تقارب بينه وبين بن غوريون تمخض عن اتفاق بينهما عام 1934، ولكن الهستدروت العامة رفضت المصادقة على هذا الاتفاق، ما أدى إلى عودة تأزم العلاقات بينه وبين الحركة العمالية وقيادتها السياسية.

أصدرت اللجنة التنفيذية الصهيونية أمراً قضى بمنع أي عمل مستقل للأحزاب ضمن المنظمة الصهيونية، ما دفع جابوتنسكي إلى الانسحاب من المنظمة الصهيونية، وإقامة المنظمة الصهيونية الجديدة، وتولى رئاستها وحاول من خلال هذه المنظمة الجديدة العمل ضد فكرة تقسيم فلسطين إلى دولتين، وشرع في إقامة علاقات مع حكومات أوروبية مثل بولندا من أجل تشجيع عمليات التخلص من اليهود فيها بهدف تقوية وتعميق هجرتهم إلى فلسطين.

وكانت عصابة "الأرغون" التي تأسست عام 1937 وارتكبت أبشع المجازر بحق الفلسطينيين ذراعاً عسكرياً لحركته. توفي عام 1940 في نيويورك، ونقل رفاته إلى فلسطين عام 1964 ويعتبر من رموز التطرف في الحركة الصهيونية.

وكان مخططه يشمل عمليات تهجير منظمة من الدول الاوروبية الشرقية إلى فلسطين، ووضع رقماً وهو مليون ونصف المليون يهودي.

كان جابوتنسكي من الداعين والمشجعين لتنفيذ عمليات هجرة غير شرعية لليهود نحو فلسطين ابتداء من العام 1932 ورغم أنه نادى التنظيمات العسكرية الخاضعة له أو المؤيدة لفكره إلى عدم مواجهة القوات البريطانية أثناء اندلاع الثورة الفلسطينية، فإنه عاد ودعا عصابة (الايتسل) إلى تنفيذ عمليات إرهابية وتخريبية ضد مواقع ومؤسسات بريطانية.

نادى جابوتنسكي بإقامة جيش عبري داخل الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، بهدف العمل المشترك في مواجهة النازيين وما يقومون به ضد اليهود في المانيا، ومناطق أخرى في أوروبا.

وأنشأ عام 1925 "منظمة الإحياء الصهيوني" كبديل سياسي وأيديولوجي عن المنظمة الصهيونية العالمية التي كان يرأسها حاييم وايزمان.

وبعد فشله في السيطرة على الحركة الصهيونية، أنشأ عام 1935 "المنظمة الصهيونية الجديدة"، وانتقل للاستيطان في فلسطين، حيث أصبح رئيساً لتحرير صحيفة "دوار هايوم"، إلا أن السلطات البريطانية انتهزت سفره للخارج ومنعته من العودة إلى فلسطين.

وكانت عصابة "الأرغون" التي تأسست عام 1937 وارتكبت أبشع المجازر بحق الفلسطينيين ذراعاً عسكرياً لحركته, توفي عام 1940 في نيويورك، ونقل رفاته إلى فلسطين عام 1964. ويعتبر من رموز التطرف في الحركة الصهيونية, وهو الأب الروحي لليمين اليهودي خصوصاً الليكود.

وقد كتب الناشر المعادي للفاشية، برونو فراي – حفيد الشاعر الألماني الشهير هاينريخ هاينه في الأول من يوليو سنة 1933 في مجلة "الهجوم المضاد"، التي كان يصدرها في براغ بعد هجرته إليها كتب تحت عنوان "الفاشية اليهودية تلميذ أدولف هتلر في فلسطين":

"إن هتلر اليهودي هو فلاديمير جابوتنسكي، رئيس الاتحاد الدولي للإصلاحيين الصهاينة، وهذا الاتحاد فرع مستقل تنظيمياً من الصهيونية العالمية يهدف إلى تنظيف الصهيونية من العناصر الصهيونية الصغيرة التي تعمل ضد الطبقية.

وكان لدى جابوتنسكي برنامج متكامل لزرع الفاشية في فلسطين، وللفاشية اليهودية متطلباتها الإمبريالية الخاصة, وبينما كانت فلسطين لا تزال مستعمرة للإمبريالية البريطانية، طالبت الفاشية اليهودية ضم إمارة شرقي الأردن بحجة توحيد شرق وغرب فلسطين.

وفي محاضرة ألقاها بتاريخ 25 مايو عام 1933 في فيينا، قدّم جابوتنسكي – مقلّداً معلّمه هتلر – خطة خماسية لفلسطين، تلحظ في تفاصيلها حرباً عربية أوروبية قادمة يقف فيها اليهود إلى جانب أوروبا ضد العرب.

أسس جابوتنسكي اتحاد الإصلاحيين الصهاينة والحركة الشبابية التابعة لها، حركة بريت ترومبلدور سنة 1925 كمشروع مضاد للصهيونية العادية وقد سعوا في حينه إلى "ضم شرقي الأردن والبادية السورية إلى فلسطين".

كما نشرت صحيفة الحزب "الجبهة القومية" – آنذاك - رحّب أبا أخيمئير، ناشر الصحيفة ومؤسس "عصبة الإرهابيين"، الذي كان يسمي نفسه فاشياً، برفيقه جابوتنسكي الذي قدم إلى فلسطين سنة 1928 قائداً فاشياً.

وكان أعضاء الحركة الشبابية يرتدون قمصاناً بنية اللون على مثال النازيين وكانوا منظمين في عصابات لقتال الشوارع على نمط ما كانت أفواج موسوليني, لم يكن ذلك صدفةً قال موسوليني سنة 1935 للحاخام براتو: "إذا أرادت الصهيونية أن تنتصر فلا بد من تأسيس دولة يهودية لها علم يهودي ولغة يهودية، وهناك من أدرك ذلك تماما إنّه رجلكم الفاشي جابوتنسكي.

رفض جابوتنسكي الذي كان صدره مليئاً بالحقد على العرب لأسباب عنصرية، تقسيم فلسطين واقترح إقامة "جدار حديدي" وقد كتب سنة 1923: "إذا أراد المرء أن يستوطن بلداً يقطنه شعب، فعليه أن يجد من ينفذ له هذا الأمر, فإذا لم تكن هناك قوة مسلحة تقضي على كل حركة تعارض الاستيطان أو تمنعه أو تعرضه للخطر، فسيكون الاستيطان غير ممكن, إن الصهيونية مشروع استعماري استيطاني يرتبط تقدمه وتراجعه بقوة سلاحه صحيح أنّه من المهم أن نتكلم العبرية، ولكن الأهم بكل أسف، أن نتقن استخدام السلاح، وإلاّ فلا استيطان".

وهكذا راح جابوتنسكي برجاله ذوي القمصان البنية، يحطم المنظمات الصهيونية الكبيرة, ففي سنة 1932 أمر بعملية ضد حركة النقابات الصهيونية الهستادروت، التي كان يسميها "ورماً سرطانياً كبيراً" في جسد الجالية اليهودية في فلسطين, "يزداد خطراً يوماً بعد يوم وسنشن الحرب على هذا الورم الخبيث حتى نقضي عليه".

أمّا دافيد بن غوريون، أحد مؤسسي حزب العمل الاجتماعي الديمقراطي الإسرائيلي والذي أصبح لاحقاً أحد أهم الساسة الإسرائيليين، فقد حذّر من جابوتنسكي وأسماه "فلاديمير هتلر" في حفل شعبي كبير سنة 1933, وحذّر من "هذا الخطر الهتلري على المسيرة اليهودية الصهيونية", وفي 15 مايو 1933 قال بن غوريون في مناسبة احتفالية أخرى "إن علينا أن نعلن الحرب على هتلرنا ونحن تقترب سريعاً من حرب حياة أو موت", وقد بلغ الخصام أشدّه بين بن غوريون وجابوتنسكي في 16 يونيو 1933 حينما اغتال أبراهام ستافسكي، أحد عملاء الحزب الإصلاحي، رئيس المكتب السياسي للسلطة اليهودية وحليف بن غوريون، حاييم أرلوزروف.

ويمكن القول إن حزب الليكود قد خرج من رحم هذه الحركة التي أسسها جابوتنسكي ممثل التيار الفاشي في الحركة الصهيونية, ولذلك لم يكن من الغريب أن نرى شارون وأسلافه الليكوديين في رئاسة الوزراء، بيجين وشامير وبنيامين نتنياهو، وقد أصبحوا "أمراء التيار الجابوتنسكي"، والحواريين في هذه العقيدة العنصرية.

هؤلاء يشاركون مرشدهم الروحي برفض العقيدة اليهودية التي ورد أحد أهم مبادئها في كتاب موسى الأول، سفر التكوين، "وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا".

كذلك رفضوا مبادئ أصحاب اسم موسى الثلاثة: موسى المشرع وموسى الميموني وموسى مندلسون صديق ليسينغ، الذين قالوا إن الله اختار اليهود ليكونوا "نور الشعوب" وهم ملزمون بلقاء الغرباء لقاءً حسناً لأنهم هم أنفسهم كانوا غرباء في مصر, بينما تخفض سياسة الليكود من قيمة الشعب اليهودي وتعتبره شعباً يقوم على خصائص عرقية وقد عقد اتفاقاً مع الرب، كنوع من الملكية العقارية لأرض إسرائيل مع حقهم بطرد العرب الفلسطينيين من هذه الأرض.

وهكذا نرى أن كل رؤساء الوزارات الليكوديين قد تبنوا سياسة "الحصول على أوسع ما يمكن من الأراضي", وشددوا على مطالب جابوتنسكي المتعالية، بأن تضم إسرائيل الكبرى كل فلسطين، بما في ذلك شرقي الأردن والبادية السورية، كما ورد ذكر ذلك في صحيفة "الجبهة القومية" سنة 1931.

ولا تزال تعليمات جابوتنسكي، مؤسس "الصهيونية الإصلاحية"، تمثل إيديولوجيا كتلة الليكود.

وقد سار بنيامين نتنياهو - إبان رئاسته للحكومة - في سياسة الاستيطان على خطا والده المؤرخ والمتشدد، بنتسيون نتنياهو، الذي أجرى دراسات واسعة حول اليهود في إسبانيا في القرن الخامس عشر وكان من المقربين إلى جابوتنسكي وها هو نتنياهو الآن يحلم بإسرائيل الكبرى ولا يعترف للفلسطينيين بحقهم في دولة لهم ذات سيادة.

وقد توفي جابوتنسكي في فبراير 1940 في الولايات المتحدة ونقل رفاته إلى القدس العام 1964 بعد سنوات طويلة من معارضة بن غوريون لذلك.

أجاد جابوتنسكي عدة لغات وقام بترجمة بعض الاعمال الادبية، من بينها بعض أشعار بياليك إلى اللغة الروسية، وترجم أيضاً فصولاً من الكوميديا الالهية لدانتي الاليجيري إلى العبرية.

يعتبر جابوتنسكي الأب الروحي والسياسي لحركة (الحيروت) التي تزعمها مناحيم بيغين، وتركت أفكاره أثراً بالغاً عليه وعلى كثيرين من اتباعه.

وهناك ثمانية عقود من الزمن الرديء تفصل بين تأسيس فلاديمير جابوتنسكي مؤسس (اتحاد الصهيونيين الإصلاحيين) لـ "حركة بيتار"، وبين تشييد مستوطنة "بيتار عليت" التي تعتبر ثاني أكبر مستعمرة على أراضي الضفة الغربية باعتبارها ملحقاً لمخطط "ايهود اولمرت"، وصورة طبق الأصل لمستوطنة "معالي ادوميم" الملحق الآخر في خارطة القدس الكبرى.

"بيتار عليت" التي أقيمت عقب "اتفاقية أوسلو", جاءت تتويجاً لنظرية الجدار الحديدي التي تبناها جابوتنسكي والتي تنص على "تكبيد الخصوم خسائر كبيرة تؤدي لتحويلهم من متطرفين عنيدين إلى معتدلين على استعداد للمساومة", هذه النظرية نفسها التي أفرزت الشوارع الالتفافية التي ابتلعت آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية والتي جاءت كنتيجة حتمية لمبدأ الانفصال الذي تبناه شارون كسبيل للخلاص من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية والحبل على الجرار!

وما بين "حركة بيتار" ومستعمرة "بيتار عليت" تقف "اتفاقية أوسلو" ومبادئها وبنودها واستحقاقاتها على كل طرف من أطراف الصراع والتسوية على السواء فـ"الاسرائيليون" الذين جلسوا للتفاوض على جغرافيا الحل حملوا معهم موروث الماضي، الذي أصبح ضمن "مبادئ الحرب والسلام" على السواء، فكانت نظرية "الجدار الحديدي" أساس تفاوضهم وابتزازهم للطرف الفلسطيني الذي ارتبط في مفاوضاته بتطمينات وضمانات ووعود من رعاة التفاوض، الأمر الذي جلب للمواطن الفلسطيني أشد الويلات بعد أن تكشفت بنود الاتفاقية التي منحت "الاسرائيليين" شرعية التواجد على مفاصل المدن الفلسطينية، والتي تحولت خلال انتفاضة الأقصى إلى معابر عسكرية ومحطات إذلال لكل فلسطيني لا يحمل الجنسية "الاسرائيلية" ولا يحمل بطاقة الشخصية الهامة الـ(VIP) وأكبر مثال على ذلك حاجز "الكونتينر" الذي يربط جنوب الضفة الغربية بوسطها وشمالها.

هنا نقف على مفاصل التاريخ ومفترقات السياسات المرتبطة بفكر وأيديولوجيا وجدت لتبقى عنوانا وسلوكا لإرادة محتل، مجرد من الإرث الحضاري والثقافي، بحكم انضوائه وذوبانه في العديد من الثقافات العالمية، فإذا كان جابوتنسكي صاحب نظرية "الجدار الحديدي" جاء من روسيا، وحاييم وايزمن صاحب نظرية "القوة العربية تمثل خرافة العصر" جاء من روسيا البيضاء، وموشيه هس صاحب نظرية "الحبل الاستيطاني بين السويس والقدس" جاء من صربيا، فإن غالبية قادة "اسرائيل" والحركة الصهيونية السابقين والحاليين جاءوا على عربة أوروبية سواء من بريطانيا أو ألمانيا أو فرنسا أو الأرجنتين أو يوغسلافيا أو بولندا وغيرهم من الأوروبيتين الشرقية والغربية والأمريكيتين الشمالية والجنوبية، ونجد أن كيان الاحتلال "الاسرائيلي" يفتقر إلى الموروث الحضاري كونه يرتبط جذريا بموروثه العقائدي الذي يمثل نسيجه الفكري والإنساني والاجتماعي والسياسي، الذي يعبر عنه منذ قيامه بسلوكيات تتعارض واتفاقيات حقوق الإنسان والقرارات والمواثيق الدولية ذات الصلة بالصراعات الإقليمية والعرقية والسياسية.

هذا الامتداد الفكري العنصري الذي تأصل في الممارسة والسلوك "الاسرائيليين" على مدى العقود الثمانية الماضية تجاه القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية أفرز ثقافات متعددة في العمق الفلسطيني الذي يتأثر ويلامس الحدث اليومي، كونه يرتبط بالفعل ورد الفعل، وهذا ما أفرز ثقافة الحواجز لدى الفلسطينيين الذين يقفون كل صباح ومساء عند لعنة أوسلو التي منحت الفلسطيني أسفل الشارع ومنحت "الاسرائيلي" قمته, ومنحت الفلسطيني تأشيرة التحرك ومنحت "الاسرائيلي" حقوق الملكية والتصرف.

بالتأكيد أن الاحتلال "الاسرائيلي" لم يبق شبراً من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة إلا وعاث فيه فسادا خلال الانتفاضة الجارية والتي ارتفعت وتيرتها هذه الأيام بحكم امتلاكه لعناصر القوة العسكرية والدعم الدولي، إلا أن تشريع أوسلو الذي جعلنا جزرا متقطعة الأوصال وبقايا متشرذمة يمثل الجانبين السياسي والقانوني في المعادلة الأوسلوية ذات الصبغة الدولية.

هنا تصطدم نظريات "الجدار الحديدي" وخرافة القوة بثقافة الحواجز التي حكمت باستمرار الصراع الفلسطيني حتى النهاية وإلى أجل غير مسمى فآلاف الفلسطينيين اعتقلوا وزجوا بالسجون على هذه الحواجز، والعشرات إن لم يكن المئات استشهدوا وأصيبوا ومئات الآلاف بل ملايين الفلسطينيين وقفوا لساعات في طوابير الانتظار على مفاصل الذل التي أقيمت على أنقاض السلام البائد والتسويات ومئات الأطفال وضعتهم أمهاتهم على ستائر الأتربة والصخور لعدم تمكن سيارات الإسعاف من نقل الحوامل إلى المستشفيات، والمئات أجهضن حملهن على هذه الحواجز أيضا.

هنا تنقلب عربة الحقد المتوارث على قادتها، فسياسة الإذلال المبرمج اصطدمت بوقائع دخلت التاريخ الفلسطيني من جهة وتاريخ الصراع من الجهة الأخرى عبر أجيال ارتبط اسمها وماضيها ومستقبلها بنتاج الممارسات "الاسرائيلية" على الحواجز العسكرية!.

لا شك بأن هذه الثقافة التي استقتها أجيال المرحلة الحالية من الصراع مع الهجمة العالمية الممنهجة ضد الفلسطينيين وحقوقهم التاريخية، تختلف عن الثقافات الأخرى، إلا أنها تحاكي ثقافة المحتل نفسه الذي جاء معبئا بحقد الاضطهاد الذي لحق به، ولا شك بأن هذه الثقافة ليست عربية لأنها تخرج عن سياق التطبيع العربي بكافة أشكاله مع استحقاقات النظام العالمي الجديد وانضوائه تحت مظلته، ولا شك بأن هذه الثقافة التي تشربها كل فلسطيني على حواجز "الكونتينر" و"حوارة" و"عين عريك" و"زعترة" وغيرهم من أصل 169 حاجزا عسكريا ثابتا في الضفة الغربية وقطاع غزة، خلقت واقعا مغايرا لما خططت له مؤسسة صنع القرار في "اسرائيل", فإرادة التحدي رغم عنف الممارسات الاحتلالية لا زالت سيدة الموقف، وانبعاث الروح كل يوم على أرضية الصراع باتت تربك حكام تل أبيب الذين سعوا من خلال سياسة "الجدار الحديدي" إلى فرض وقائع جديدة مستغلة بذلك الضعف الفلسطيني وخرافة القوة العربية.

فأي طفل أو صبي أو شاب أو رجل أو عجوز فلسطيني ولد على حاجز احتلالي سينسى يوما أنه ولد بين الصخور ولامس بجسده العاري التراب قبل أن يرضع من صدر أمه التي قد يكون قد فقدها على الحاجز نفسه.

وإذا ما كانت نظرية "الجدار الحديدي" بإضعاف الخصوم وجعلهم يتنازلون عن مبادئهم قد تماشت مع ثقافة الحريصين على عدم إغضاب شرطي العالم وأسياد العالم الحر، فأي نظريات هذه التي ستجعل طفل الحواجز يتخلى عن ثقافته الجديدة المعبأة بحقد السنين على ممارسات أفقدته الابتسامة منذ بزوغ فجره.