ولنا كلمة ...

النكبة.... ذلكَ المصطلحُ الذي لا يترجمُ إلى أي لغةٍ, بل يبقى كما هو لغةٌ بحدِ ذاتها, لغةٌ لها أبجدياتُها وحروفُها ومفرداتُها الخاصةُ بها.. هي آهات وآلام هي أوجاع وقصص وروايات... هي مصطلحٌ مصبوغٌ بذكرياتٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالألمِ والوجعِ والضياع, هي قصة التراجيديا الأكثرُ وجعاً وإيلاماً عبر التاريخ, والمسيرُ الأكثرُ حزناً حين سارت قوافلُ شعبٍ بأكملهِ تاركينَ خلفهم بيوتهمُ....المزيد

الجالية الفلسطينية في مصر

 

المقدمة

يصعب الإلمام بالملامح الاقتصادية و الاجتماعية و الديموغرافية و السياسية و الثقافية للفلسطينيين المقيمين في مصر، اساسا بسبب انتشارهم في أرجاء مصر، و لعدم ثبات حجمهم، و تعرضه لهزات عنيفة، من آن لآخر، ناهيك عن إهمال إحصائهم دورياً .

موجات الهجرة

ثمة علاقة حميمة بين موجات الفلسطينيين التي تدفقت الى مصر، و ظهور الشخصيه الفلسطينية، مطلع عشرينات هذا القرن. فقد دفعت الصدامات و ثورة 1936-1939، الكثير من الفلسطينيين للجوء الى مصر. و لوحظ أن النسبة الاكبر من هؤلاء جاءت من الخليل، المدينة التي شهدت أشرس الصدامات بين العرب و اليهود، إبان هبة البراق. يلاحظ أن النسبة العظمى من هؤلاء حصلت على الجنسية المصرية، حتى قبل وقوع نكبة 1948 الفلسطينية.

ثم جاء لاجئو 1948، بأعدادهم الكبيره، نسبياً؛ و بعدهم توافدت اعداد قليله، ممن قذف بهم، احتلال القوات الاسرائيلية لقطاع غزة، خريف 1956، خلال العدوان الثلاثي. على ان أعدادا أكبر وصلت مصر بعد احتلال القوات الاسرائيلية للضفة الغربية و قطاع غزة، في حرب يونيو/ حزيران 1967. بل ان نزف المواطنين في هاتين المنطقتين المحتلتين لم ينقطع، منذئذ الى يوم قريب مضى.

بيد ان الكتلة الاكبر التي وردت الى مصر من الفلسطينيين كانت تلك التي هاجرت، بفعل نكبة 1948 الفلسطينية. فمع اشتداد القصف المدفعي للعصابات الصهيونية المسلحة( الهاغاناه؛ والارغون؛ و شتيرن) على مدينة يافا، و تشديد هذه العصابات الخناق حول المدينة، التي أخذت دفاعاتها المتواضعة في الانهيار المتوالي، اخذت جموع أهالي يافا تتدافع الى شاطئ البحر، الذي تركته العصابات الصهيونية دون ان تغلقه، مكتفية بمحاصرة المدينة على شكل حدوة حصان. و استخدمت هذه الجموع القوارب و اللنشات، و نزلت بها الى ماء البحر، متجهة الى الجنوب، في اتجاه قطاع غزة، و مصر، يدفعها الى ذلك الساحل الآمن، و قصر المسافة، نسبيا، ناهيك عن تحدر نسبة غير قليلة من أهالي يافا من مصر, و لعل في هذا كلة ما يفسر وصول نسبة كبيرة من أهالي يافا الى هاتين الجهتين، فيما نجح الباقون في الوصول الى سوريا و لبنان، و الضفه الغربيه، و تبقى بضعة مئات في يافا نفسها.

توالى وصول اليافيين الى بور سعيد، أول ثغر قابلهم في القطر المصري ؛ و سارعت السلطات المصرية الى ضرب طوق من حول قوارب الوافدين، و حاصرتهم في مبنى الحجر الصحي، التابع لشركة قناة السويس، جنوب شرقي المدينة، حمل اسم " المزاريطة"، فيما أخذت هذه السلطات من وصل من الفلسطينيين عبر البر، الى معسكر في " العباسية"، أحد ضواحي العاصمة المصرية.

سرعان ما ثار اليافيون المحصورون في " المزاريطة" على وضعهم المزري، و خرجت بنادقهم من مخابئها، و اندلع الصدام بينهم و بين الشرطة المصرية، و ان امكن محاصرتة واحتواءه، سمحت الحكومة المصرية بخروج الرأسماليين من " المزاربطة" و معسكر العباسية، و منحتهم حق الاقامة في مصر، كما سمحت بخروج كل من أتى بكفيل مصري مقتدر. و قد اتضح من هاتين الفئتين ان الحكومة المصرية أرادت ان تجنب نفسها عبئا اقتصاديا اجتماعياً. ثم سرعان ما جمعت الحكومة المصرية من تبقى في أحد المعسكرات التي هجرتها القوات البريطانية في القنطرة شرق، على قناة السويس.

في صيف 1949، زار وزير المعارف المصري، هذا المعسكر، فخرج حشد من اهله متظاهراً ساخطاً، يردد " بدنا غزة، بدنا غزة" . و ما هي الا ايام، حتى كانت القطارات تنقلهم الى قطاع غزة، حيث خصص لهم مخيم المغازي هناك. اما من تبقى منهم في مصر، فكانت لهم سيرة أخرى.

تسرد وثيقة رسمية مصرية قصة هذه الموجة سنة 1948 من الفلسطينيين فتقول بأنة في 24 ابريل نيسان 1948، طلب الى وزارة الشؤون الاجتماعية في مصر الاستعداد لاستقبال المهاجرين من ابناء فلسطين. فأسرعت الوزارة الى اعداد مخيم لهم في منطقة العباسية، واستقبلت فيه الافواج الاولى منهم.

الا ان جموع المهاجرين تدفقت، تدفقا شديدا، ما بين 28 ابريل نيسان و اول مايو ايار سنة 1948، بعد تشديد الهجوم العسكري الصهيوني على مدينة يافا، التي سقطت فعلا في أيدي العصابات الصهيونية، يوم الجمعه 14-5-1948. و لم يبق فيها سوى الثلاثة الاف نسمة، من قرابة 120 الفا، هم مجموع اهاليها. مما جعل وزارة الشؤون الاجتماعيه المصريه تنهض الى استقبالهم في مدينة القنطرة شرق، وتستقبلهم في معسكر ضخم هناك، اتسع لهم جميعاً، وعلى الفور تشكلت لجنة، بقرار وزاري حملت اسم" اللجنة العليا لشؤون المهاجرين الفلسطينيين"، وكانت مؤلفه من عشرين عضواً، يمثلون وزارات الداخلية، و الشؤون الاجتماعيه والصحة، والزراعة، والدفاع، والخارجية، ومصلحة السكة الحديد، ومصلحة الحدود، وجمعية الهلال الاحمر. وتحددت مهمة هذه اللجنة في الاشراف على المهاجرين في المعسكر، من جميع النواحي: الصحية، الاجتماعية، الثقافية، الرياضية، الدينية الخ... ووضعت تحت تصرف اللجنة مبالغ من المال، أهمها رصيد يبلغ قرابة 300 الف جنية مصري، من الاحتياطي العام للدولة. ثم ما لبث جامعة الدول العربية ان ساهمت في تمويلها من المجلس الاعلى لاغاثة اللاجئين، بما قيمته أربعة الاف جنية مصري.

في الثالث من سبتمبر 1948 نقل المهاجرين من معسكر العباسية الى القنطرة شرق، وأضيفت اليهم دفعه اخرى، كانت محتجزة، في معسكر " المزاريطة" في بور سعيد. وهكذا تجمع في معسكر القنطرة ما يقرب من اثني عشر الف لاجئ فلسطيني .

و ما لبثت العائلات التي خرجت من ديارها ببعض المال، ان طلبت السماح لها بترك المعسكر، و الاقامة داخل القطر المصري. هنا تشكلت لجنة خاصة للنظر في هذه الطلبات، و سمحت اللجنة بالخروج لكل من توفر فيه شرطان اساسيان: القدرة المالية، و كفيل ميسور من أهل البلاد.

استمرت لجنة الافراجات في عملها هذا، و أخذت تصرف بطاقات الاقامة المؤقته للمغادرين، الى ان بقي داخل معسكر القنطرة حوالي سبعة الاف لاجئ فقط تحت اشراف اللجنة العليا.

أما الخدمات التي قدمت للمقيمين في المعسكر، فابتدأت من اجراء احصاء اجتماعي شامل، وتقسيم المعسكر الى خمس مناطق، يشرف على كل منها مفتش من وزارة الشؤون الاجتماعية، يعاونه موظفو الوزارات الأخرى، يشاركهم نفر من أبناء فلسطين. حتى لقد أطلق على المعسكر اسم "مدينة اللاجئين "، و فيه توافرت اسباب الراحة . والخدمات الضرورية، فكانت المساكن مزودة بالمياه و الاضاءة الكهربائية. كما تم الإشراف على تغذية جميع المقيمين في المعسكر. فقدموا لهم الخبز و الطعام المطهي، باشراف طبيب بيطري على اللحوم وعاون ابناء فلسطين في عملية توزيع الطعام على اخوانهم.

من الناحيه الصحية، كان الاشراف كاملاً على الاطفال و الكبار في آن معاً و تم تحصين اللاجئين ضد الامراض و الاوبئه، وتأسست مستشفى و صيدلية بالمجان، و انتدبت الحكومة المصرية عدد من الاطباء و الممرضات لهذا الغرض.

فيما حظيت الناحيه الثقافيه بنصيب من عناية القائمين على المعسكر، فانشئت مدرسة اعدادية، التحق بها حوالي أربعمائة تلميذ، و اخرى ابتدائية، ضمت حوالي اربعمئه طفل آخرين، فيما الحق عدد من أبناء المعسكر بمدرسة القنطره الثانويه، و انتقل عدد أخر الى جامعتي فؤاد (القاهره الان)، و فاروق ( الاسكندرية الان). و اقيم في المعسكر مسجد كبير، خصص له واعظ مؤهل، كما سمح للمسيحين بالخروج ايام الاحاد و الاعياد، الى كنيسة القنطرة شرق، لأداء صلواتهم.

لم تحرم الرياضه من عناية اللجنة العليا، فأعد ملعب لكرة القدم، و صالة للتمرينات السويدية. و تولي أحد أبناء فلسطين تدريب الراغبين من الفلسطينيين في هذه التمرينات. وما لبث أن قام نفر من اللاجئين في معسكر القنطرة بتأسيس هيئة لهم تمثلهم لدى السلطات الحكوميه في المعسكر.

لم تنس اللجنة العليا خدمة البرق و البريد، ليتسنى للفلسطينيين هناك الاتصال بذويهم في شتى أرجاء الاقطار العربية، عن طريقها و بواسطة الاذاعة، ايضاً.

كما لم تهمل اللجنة الناحية الترفيهيه، فانشأت دار للسينما، تعرض فيها الافلام العلمية، الثقافية، والسياحيه. كما أنشأت مخافر للشرطة، وعينت دوريات للحراسة الداخليه في المعسكر وخارج الاسلاك الشائكة المضروبه من حول المعسكر في إحكام، منعاً لهروب من تسول له نفسة الاقامة في مصر. سرعان ما سمحت اللجنة للحرفين من اللاجئين مزاولة اعمالهم في المعسكر، ففتح هؤلاء محلات البقالة، ومحلات صغيرة لبيع الفول و الفلافل، ومحلات لتصليح الراديو مثلاً، واخرى لغسل الملابس وكيها، واخرى للخياطة، كما انخرط عدد غير قليل من فتيان المعسكر وفتياته في أعمال التمريض و الاسعاف، وعمل بعضهم كتبة في دوائر المعسكر المختلفة، وفي الشؤون الاجتماعية، وللمحافظة على النظام و الهدوء، والاشراف على التصرفات والسلوك، فكان المعسكر نظيفا من شتى الوجوه. وتم تدريب عدد كبير من الرجال على استخدام السلاح.

وعندما استقر قطاع غزة تحت رعاية الادارة المصرية، أصدر مجلس الوزراء المصري قرارا في سبتمبر سنة 1949، يقضي بترحيل اللاجئين الفلسطينيين من معسكر القنطرة الى قطاع غزة. ولعل ما عجل في استصدار هذا القرار تململ لاجئي المعسكر وتبرمهم من احتجازهم في المعسكر، حتى بعد ان عقدت الحكومة المصرية اتفاقية الهدنة مع اسرائيل، ووضعت الحرب أوزارها، وفقد وضع هؤلاء اللاجئين طابعه المؤقت. تم تنفيذ هذا القرار، وسلم نزلاء معسكر القنطره الى هيئة " الكويكرز" في قطاع غزة، التي تشرف على اغاثة اللاجئين في قطاع غزة كما سلمت لهذه الهيئه شتى المهمات التي كانت تقدم للمقيمين في المعسكر، علاوة على قرابة ثلاثين ألف جنيه مصري، دفعتهااللجنة العليا من اعانات.

بانتقال القاطنين في معسكر القنطرة الى قطاع غزة، وبالتحديد الى مخيم المغازي، انتقلت أعمال " اللجنة العليا لشؤون المهاجرين الفلسطينيين" الى القاهرة و المحافظات. وأصدرت جامعة الدول العربية، عام 1950 "قرار ضم الشمل" الذي يقضي بترحيل اللاجئين الراغبين في السفر الى المناطق العربيه في فلسطين، من أجل الانضمام الى اسرهم و ذويهم. و بلغ عدد هؤلاء 589 لاجئا، سافروا بطريق الجو، على نفقة الحكومة المصرية، فيما سافر على نفقة الامانة العامة للجامعة العربيه، في المدة نفسها، 123 شخصاً، حسب جلسة جامعة الدول العربية في اكتوبر تشرين الاول 1951. و قد اعيد فتح معسكر العباسية، لتجميع الراغبين في مغادرة مصر. و في 5 أغسطس / اب 1950، نقل الى قطاع غزة 184 لاجئا، فيما كان نقل في 5 يونيو حزيران من السنة نفسها و ما تلاها، 516 لاجئا الى القدس، صرفت لهم 458 تذكرة، و قامت طائرات شركة مصر للطيران بنقلهم، تباعا، من القاهرة الى عمان، في حوالي 17 رحلة. و تراجع دور اللجنة العليا، حتى اختفى، تماماً. الى ان قامت ثورة 23يوليو/تموز 1952؛ التي قررت في 12 اكتوبر/ تشرين الاول 1953، اعادة تشكيل هذة اللجنة سرعان ما أخذت جموع اللاجئين الفلسطينيين تستقر في أرجاء مصر و تكتسب ملامحها.

التوزيع الديمغرافي

في سنة 1960، و استنادا الى الاحصاءات الرسميه المصرية، كان في القطر المصري 15,493 فلسطينياً. لكن عدد الوافدين الى مصر من أهل قطاع غزة قد ازداد، أوائل الستيناتأساسا بسبب استعادة الاقتصاد الفلسطيني عافيته، من جديد. وانتشر الفلسطينيون في أربعة عشرة محافظه؛ تراجع عدد هذه المحافظات بعد حرب 1967، الى عشر محافظات، بعد ان احتلت القوات الاسرائيليه صحراء سيناء، و هددت مدن القناة، فدفعت سكانها الى هجر مدنهم و قراهم، في محافظات القناه الثلاث، و ارتفع عدد الفلسطينيين في مصر، سنة 1969، الى قرابة 33,000 نسمة.

في اواسط الثمانينات حددت احصائيات ادارة الحاكم العام لقطاع غزة مجموع الفلسطينيين المقيمين في مصر، بصورة قانونية، بحوالي 27,500 شخصاً، فضلا عن قرابة ثمانيه الاف آخرين، يقيمون في مصر بصورة غير رسمية. فيما تؤكد مصلحة الجوازات والسفر والجنسية المصرية بأن العدد الصحيح هو 25,423. ومعروف بأن ثمة 1,800 شخصا قد أبعدتهم سلطات الاحتلال الاسرائيلي من قطاع غزة، وآوتهم مصر في مديرية التحرير.

تركز الفلسطينيون في محافظات القاهرة و الجيزة و الاسكندرية، و بوجة الخصوص في محافظة القاهرة التي تستقطب اكثر من نصف مجموع الفلسطينيين في مصر( 52%). اما الجيزة فتستقطب 7%، فيما بقي في سيناء زهاء 25 الف فلسطيني، و تجمع في الوادي حوالي 43 الفا ، و بهذا يصبح التجمع الفلسطيني هنا السادس، من حيث الاهمية العددية للفلسطينين خارج وطنهم المحتل بجزئية (أراضي 1948 والضفه و القطاع).

يستخلص خبير سكاني فلسطيني من التوزيع الديمغرافي للفلسطينين في مصر أنهم من سكان الحضر، حيث يسكن 94.4 % من مجموعهم المدن، فيما يسكن 5.6 % الارياف. أما عن تركيبهم العمري، فيشير الهرم السكاني الى نمط مغاير، تماماً للنمط المعروف في المجتمعات النامية؛ كما يختلف ايضاً، عن الانماط الاخرى المعروفه، حيث يميز الديموغرافييون بين ثلاثة انماط من الاهرامات السكانية ؛ اولها تتسع قاعدتة وتضيق قمتة، في اشارة الى مجتمع فتي، تتسع فيه نسبة المواليد والاطفال و غير البالغين، وهوالنمط السائد في مجتمعات الاقطار النامية. أما النمط الثاني فيمثل مرحلة الشيخوخة، حيث تضييق قاعدتة، و تقترب اضلاع هرمه من القائمة و تتصف المجتمعات التي يأخذ هرمها السكاني هذا الشكل بتدنى نسبة المواليد و ارتفاع نسبة ذوي الاعمار الكبيرة، و تكاد تتساوى معدلات مواليده مع معدلات وفياته ( كلاهما منخفض) . و لايبدو الهرم السكاني للتجمع الفلسطيني ضيق القاعدة كما ان كبار السن لا يشكلون نسبة كبيرة؛ في حين تتسع نسبة الاعمار المتوسطة فتصل نسبة الفئة العمرية من 20-24 سنة الى 14.7% من مجموع السكان، أما الذين تجاوزت اعمارهم 65 سنة، فلا يمثلون أكثر من 1.8%، وشكلت نسبة الاعمار الصغيرة ( أقل من 15 سنة) 29,6%. فيما احتلت الفئات المتوسطة ( 15-64 سنة) النسبة الغالبة (68,6%) من المجموع الكلي . لان الطلاب يشكلون ما يقرب من 46% من المجموع الكلي للسكان الفلسطينيين.

لم يكن توزيع الفلسطينيين الجغرافي في مصر، حتى سنة 1986. قد تغير كثيراً، عما كان علية، فقد تركز الفلسطينيون في القاهرة والاسكندرية، ومحافظة الشرقيه، ومنطقه القناة، وسيناء. ويميل الاغنياء في القاهرة الى السكن، عادة في هليوبولس، والدقي ومدينة نصر، بينما يسكن افراد الطبقه الوسطى في أحياء العباسية، وشبرا. أما الفقراء فمراكزهم في شبرا و عين شمس في القاهرة اضافة الى محافظة. الشرقيه في أبي كبير، والزقازيق، وناقوس الصلاحية، والخطرة. أما في سيناء فهم، على الاغلب، في العريش والشيخ زويد.

تحتفظ وزارة الخارجية المصرية بوثيقة، أصدرتها مصلحة وثائق السفر و الهجرة و الجنسية، سنة 1994، لعدد وثائق السفر التي اصدرتها المصلحة الفلسطينيه، موزعه على الفئات المختلفة:

على ان هذا لا يعني بان حجم الفلسطينيين يساوي هذا الرقم، بل هو لا يتجاوز مئة ألف شخص وفقا لأرقام 1995، أما من تبقى فيعيش خارج مصر، وتحول القيود التي فرضتها الحكومة المصرية على تنقل الفلسطينيين واقامتهم دون تمكن العديد من حملة الوثائق المصرية من العودة والاقامة فيها.

و في ربيع سنة 1995، انهت وزارة الداخلية المصرية حصرا لعدد الفلسطينيين من أبناء قطاع غزة المقيمين في مصر، و الحاصلين على وثيقة السفر التي تمنحها مصر للفلسطينيين المقيمين فيها أو في قطاع غزة.و أكد المصدر ان مصر تضم أكبر عدد من النازحين من قطاع غزة، حيث بلغ عددهم 89 الفاً، بالاضافة الى عدد عشوائي لم يتم حصرة بعد، يتراوح ما بين 10و 20 الفا، مشتتين في ريف مصر و قراها. علما بأن مجموع من غادر فلسطين، ابان نكبة 1948 الفلسطينية، يصل الى حوالي 35 الف لاجئ أقاموا في مصر.

النشاط الاقتصادي

في سنة 1985 شكلت قوة العمل (6 سنوات فما فوق) 86.5% من مجموع الفلسطينيين في مصر، 53 % منهم طلبة . أما ذوي النشاط ( أي العاملون و المتعطلون) فلا يعادلون اكثر من 22% من قوة العمل، و هؤلاء يشكلون 19,2% من جملة السكان.

ان مساهمة المرأة في العمل ليست كبيرة ؛ فالاناث لم يشكلن اكثر من 8,1% من ذوي النشاط الاقتصادي العاملون فقط، بينما تشكل السيدات المتفرغات للتدبير المنزلي 17,5% من قوة العمل، و يشكل هؤلاء 15,1 % من جملة السكان، و25,5% من مجموع الاناث الفلسطينيات في مصر؛ أي ان ربع الاناث داخل هذا التجمع من اولئك السيدات اللاتي ينصرفن للتدبير المنزلي فقط، والملاحظ أن النسبة الممثلة لمساهمة المرأه في قوة العمل ضعيفة، أيضاً. و قد تبدو النسبة الاخيرة مقبولة؛ ذلك ان المرأه الفلسطينية- شأن المرأة في المجتمعات العربية الاخرى - لم تنخرط بعد في مجال العمل، بشكل كامل. أما النسبة الاولى، فان ضعفها يعزى الى وجود نسبة ليست بالقليلة من الاناث المتفرغات للتعليم.

ومن جملة العاملين الفلسطينيين في مصر العربيه، فان 30% منهم يعملون لحسابهم الخاص، و 67,6% يعملون بأجر نقدي في الدوائر الحكومية، أو لدى الغير. و يتوزع العاملون على مختلف الانشطة الاقتصادية على النحو الذي يوضحة الشكل رقم (2). ان 32,1 % يعملون في الخدمات الجماعية و الاجتماعية و الشخصيه، بينما يعمل 19,8 % في التجارة و المطاعم و الفنادق،و 12,1% بالنقل و التخزين. ويعمل في الصناعة نسبة 8,7%، ويعمل في الزراعه وصيد الاسماك نسبة 4,5%، و22,7% في المهن الاخرى.

أما المهن التي يمارسها السكان الذين تزيد أعمارهم عن 15 سنة، فان 23,2% عمال انتاج و عمال تشغيل وسائل النقل والفعلة، و 17,7% من العاملين في اعمال البيع، 14,6% في المهن الكتابيه، و 16,8% في المهن الفنيه، و 3,7% في مهنة الزراعة، و4,4% في الاعمال الادارية، و 12,5% في مهن غير موصفه. و لعل هذا التركيب الاقتصادي لذوي النشاط، من أكثر الخصائص اللافته للنظر في التركيب السكاني العام للشعب الفلسطيني حيث أن العاملين في الزراعه قله ضئيلة. و اذا كان هذا الامر يعزى في جانب منه، الى افتقار الفلسطينيين للارض الزراعية، و الى ان المجتمعات الزراعيه في مناطق اللجوء هي مناطق طاردة للسكان، فان العوامل الرئيسية تكمن في انعكاسات النكسة(1967) على بنية الشعب الفلسطيني، و ما خلفتة من أثار نفسية و اجتماعية. و لعل من ابرز النتائج الايجابيه لذلك سرعة التحول الحضاري لدى هذا الشعب، و السمه الحضارية تتجلى في أن الغالبيه العظمى من الفلسطينيين تسكن المدن، وتعمل في غير الزراعة فحسب؛ ذلك ان مثل هذه الظاهرة قد نجدها في المجتمعات النامية الاخرى، الا انها لا تشير الى تحول اجتماعي جذري، حيث ان الكثير من المصنفين حضراً، وهم سكان المدن، هم في الحقيقه مجتمعات ريفيه. و قد يرى البعض ان مثل هذا التحول في المجتمع الريفي الى المجتمع الحضري، في الحقيقة عمليه تزييف للمجتمع الحضري، الا ان الصوره مختلفه بالنسبة للفلسطينين؛ حيث ان تحولهم اكثر جذرية ن لانهم يتركزون في المدن الكبرى، و يعملون في الصناعه، والتجاره والخدمات.

وثمة رأسماليون كبار بين فلسطيني مصر. فالشنطي و عائلته يعملون في الجلود والبلاستيك؛ و عائلة جمجوم في تجارة المواد الغذائية ؛ و رضوان العجيل - الذي اكتسب الجنسية المصريه - في الاجهزة الالكترونية والاكسسوارات ؛ و آل أبو لبن في الطوب الحراري والادوات الصحيه ؛ والسكسك في الاقمشة، والعتال في الموبيليا والاجهزة الالكترونيه. وكانت الستينات قد شهدت أول صعود مالي للفلسطينين، وحسب مصادر منظمة التحرير في مصر، فقد كان قرابة عشرين فلسطينيا يملكون مصانع متنوعة متوسطة الحجم؛ بالاضافة الى 55 يملكون عمارات سكنية، وثمانية يمتلكون فنادق متوسطة، و15 يستحوذون على "عزب"؛ فضلا عن عدد لا بأس به من المقاولين. هنا كان قرابة 2,500 شخص يديرون رؤوس أموال تتراوح ما بين 15 الى 20 مليون جنيه مصري، في مطاعم و فنادق و اعمال النقل و الخدمات. أما الان فثمه أشخاص استفادوا من اوضاع الانفتاح في السوق المصريه، بشكل جعل رؤوس أموالهم تفوق في حجمها رؤوس أموال المئات في الستينيات.

و في ما بين حربي 1967 و 1973، رصد أحد الباحثين المصريين 222 متجرا للفلسطينين في مصر، بينها 58 مطعما و محل بقالة، و 74 محلا لبيع الاقمشة، و متجران للمجوهرات، و32 وكالة سياحة و مكتب استيراد و تصوير، و46 مصنع جلود وفواكة وصابون واحذيه. ويقطن خمسة الاف فلسطيني قرية عرب أبو ذكري، في قويسنا بالمنوفيه، حيث يمثل المصريين هناك أقلية. ويعمل معظم الفلسطينيين هناك في مجالات الاعمال الحرة، والاستثمار بشتى اشكالة، فيما يتركز نشاطهم في المجال الزراعي، في محافظتي الشرقيه والاسماعيليه بشكل خاص. ويعمل فلسطينيو ابو ذكري، في معظمهم، بصناعة "الطواقي" حيث ينسجون وبر الجمال، ويصنعون منه طواقي، يبيعونها لأهالي القرى المجاورة. وكان هؤلاء الفلسطينيون يعملون في تجارة الجمال، الا انهم تحولوا، مع مرور الوقت، للعمل في الزراعة والتجارة الصغيرة، شأن أهل القريه، تماماً.

النشاط السياسي

منذ ان برزت القضية الفلسطينية، في مطلع العشرينيات من القرن الحالي، وجدت أصداء لها في أرجاء مصر، تجلت في اشكال التضامن مع فلسطين وشعبها، في الازمات، خاصة ابان هبة البراق صيف 1929، و ثورة 1936 الوطنيه الفلسطينيه (1936-1939). ووصل التضامن المصري ذروته، بعد صدور قرار تقسيم فلسطين عن الجمعية العامة للامم المتحدة، في 29 نوفمبر 1948.

الى ذلك، ثمة نشاط سياسي فلسطيني كان محمد علي الطاهر في طليعتة، حيث دأب هذا المكافح الوطني الفلسطيني على اصدار الصحف، و تنظيم علاقات وطنيه بحزب الوفد والاخوان المسلمين، من اجل قضية بلادة الوطنية. بيد أن نكبة 1948 الفلسطينية، أحدثت تغييرات ملحوظة في المشهد، من بينها تدمير البنيه السياسية الفلسطينية، وتدفق الفلسطينيين الى مصر. من المعروف بأن الشيوعين الفلسطينيين أفلتوا من هذا المصير، فاستمر تنظيم (عصبة التحرر الوطني) في ممارسة نشاطه. في شتى المناطق الفلسطينية ( اراضي 1948، الضفة الغربية، قطاع غزة). و نجح القسم الانشط في الضفه في تأسيس فرع للعصبة في الوسط الطلابي الفلسطيني في مصر، ترأسة طالب الطب، ابن صفد، نديم نحوي. و بعد ان اتحدت العصبة في الضفة مع الحلقات الماركسية في شرق الاردن، و شكلت "الحزب الشيوعي الاردني" صيف 1950، غدا فرع العصبة في مصر فرعاً للحزب الشيوعي الاردني.

مع مرور الوقت، نجح "حزب البعث" في الضفة الغربية في تأسيس فرع له في الوسط نفسة، وتبعته "حركة القوميين العرب" في الاتجاه نفسه. أما الاخوان المسلمون فتضافروا من قطاع غزة ومصر، فكان فرعهم في الوسط الطلابي الفلسطيني الاكثر عدداً، حتى سنة 1957.

أما الهيئة العربية العليا، و حكومة عموم فلسطين ففقدتا مبرر وجودهما. واكتفيا باليافطة، لذا كان طبيعيا ان يتركز النشاط السياسي الفلسطيني هنا في "رابطة الطلبة الفلسطينيون"، التي غدت بمثابة مدرسة كادر لتخريج القيادات السياسية اللاحقة. فكان ياسر عرفات، أول رئيس لهذة الرابطة (1950-1956)، وأيضا صلاح خلف ( ابو اياد)، الذي كان نائبا لعرفات، وخلفه في رئاسة الرابطة، سنة 1956 فضلا فاروق القدومي نشطاء آخرين بينهم بشير البرغوثي وتيسير قبعة.

من هنا يمكن فهم الصراع الحزبي الذي احتدم من أجل الاستحواذ علىقيادة "رابطة الطلبة" ومن بعدها "الاتحاد". ومعروف بأن " الاتحاد العام لطلبة فلسطين"، اتخذ من القاهرة مقراً له، منذ قام سنة 1959، بعد اتحاد الروابط الطلابية الفلسطينيه في مصر و سوريا و لبنان و غيرها من الاقطار العربيه و الاجنبية.

ومنذ سنة 1957، بدأت الحكومة المصرية تتدخل، باطراد، في أمر تشكيل قيادة " الرابطة"، ومن بعدها "الاتحاد" . فحين كان النظام المصري راضيا عن " البعث" - جانب عوامل اخرى - تولى اعضاء من " البعث" رئاسة الاتحاد، و كانت لهم الاغلبية في هيئتة التنفيذية. حتى اذا ما اصطدم النظام الناصري بالبعثيين، صيف 1963، قلب لهم ظهر المجن، ونقل دعمه الى "حركة القوميين العرب"، حتى أواسط الستينيات، حيث انتقل بدعمة الى طلبة "الطليعة العربية"، الموالية لعبد الناصر. مما قلل من الوزن السياسي لهذا الاتحاد، الامر الذي تعزز بعد قيام منظمة التحرير في أواسط الستينات، بمؤسساتها السياسية و الثقافية و العسكرية، فضلا عن تنظيمها الشعبي.

الى جانب "الرابطة"، تأسس في القاهرة، "النادي الفلسطيني العربي"، سنة 1953؛ ومن عام 1957 انتقل مقر النادي الى مصر الجديدة، ثم عاد الى وسط القاهرة، عام 1960، وبقي هناك حتى سنة 1964. و في موازاتة تأسس "النادي الفلسطيني العربي"، في الاسكندرية، عدا فرعان للنادي في مدينتي العريش وبور سعيد وقد استهدفت هذه النوادي تعزيز الروابط بين الفلسطينيين المقيمين في مصر، ونشر الوعي السياسي بينهم، وتبني مشاكلهم الاجتماعية والثقافيه.

ومنذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، صيف 1964، مارست حق النشاط العلني من مصر الى ما بعد حرب 1967. ونشط مكاتبها في القاهرة و الاسكندرية، عدا مقر اللجنة التنفيذية للمنظمة في العاصمة المصرية، حيث سمحت السلطات المصرية، بعد هذه الحرب وصعود المنظمات الفدائية، لحركة "فتح" بالنشاط العلني في مصر، فافتتحت الحركة عدة مكاتب، غالبيتها في القاهره.

واذا كانت مصر قد أجرت لمنظمة التحرير منذ تأسيسها اذاعة باسم "صوت فلسطين"، فان مصر منحت "فتح" بعيد معركة الكرامة (21/3/1968) محطة اذاعية باسم "صوت الثورة الفلسطينه"، وبعد ان استحوذت " فتح" على رئاسة منظمة التحرير، في فبراير 1969، اندمجت الاذاعتان، و حملت اسم الاذاعه الثانيه، وتولى مدير الثانية، فؤاد ياسين، ادارة الاذاعة الموحدة، حتى صيف 1974.

في القاهرة، تأسست، عام 1963، "رابطة المرأة الفلسطينية"، وضمت قرابة خمسين امرأة. و بعد أن تأسس في القدس، الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية"، سنة 1965، تحولت هذه الرابطة الى فرع للاتحاد في مصر، ثم استضاف هذا الفرع قيادة الاتحاد المركزية، منذ عمدت الحكومة الاردنية الى اغلاق مقر هذه القيادة في القدس، في 1 يناير 1967.

من جهة اخرى كان بعض النقابيين العماليين الفلسطينيين قد اضطر الى هجر وطنة في الضفة الغربية، بعد أحداث ربيع 1957 في الاردن، و تجمع هؤلاء في مصر، و في مقدمتهم حسني صالح الخفش، و ناجي الكوني. و سعى هؤلاء لتشكيل " الاتحاد العام لعمال فلسطين" ولم تنجح مساعيهم الا بعد قيام منظمة التحرير، فانعقد المؤتمر الاول للاتحاد، في مدينة غزة، في ما بين 14 - 17 ابريل / نيسان 1965. واتخذ الاتحاد من القاهرة مقراً له، وظل كذلك، الى ما بعد "مبادرة السادات "19 نوفمبر 1977" حيث نقل مقرة الى دمشق.

في مصر نجح الاتحاد في تأسيس فروع له في انحاء مختلفة من مصر : القاهرة، الجيزة، حلوان، الاسكندرية، دمنهور، طنطا، كفر الشيخ، مرسي مطروح، دمياط، المنصورة، بني سويف، الفيوم، بورسعيد، قنا، سوهاج، أسيوط، والمنيا.

في سياق مشابه، انعقد في مدينة غزة، المؤتمر الاول لاتحاد كتاب فلسطين، في ما بين 29، نوفمبر و4 ديسمبر 1966، بحضور 32 كاتبا و أديبا من شتى مناطق الشتات الفلسطيني. و انتخب خيري حماد، من فلسطيني مصر رئيسا للاتحاد، و اتخذ الاتحاد من القاهرة مقراً له. الى ان تأسس، في بيروت " الاتحاد العام للكتاب و الصحفيين الفلسطينيين"، في سبتمبر / ايلول 1972، حيث تحول مقر الاتحاد في القاهرة الى مقر لفرع الاتحاد في مصر، حتى "مبادرة السادات"، حيث تم ترحيل اربعة من قادة هذا الفرع، واغلقت اجهزة الامن مقر الفرع حتى يومنا هذا واصبح الفرع مجرد حبر على ورق.

و اليوم لا يحظى بالوضع الرسمي سوى حركة " فتح"، فيما تفتقر بقية الفصائل الفلسطينية الى مثل هذا الوضع، على ان هذا لم يحرم هذه الفصائل من متعاطفين ومؤيدين بين صفوف الفلسطينيين في مصر. في السياق نفسة، يعيش في مصر 25 عضوا من اعضاء المجلس الوطني الفلسطيني

النشاط الثقافي

ظل الطلاب الفلسطينيون يتمتعون في مصر بمزايا تعليمية، حيث عوملوا معاملة المصريين، من حيث مجانية التعليم في المدارس و الجامعات و المعاهد؛ حتى مبادرة السادات و أخذت السلطات المصرية تحرم الفلسطينيين تدريجيا من هذه المزايا.

و منذ اواسط الستينيات و حتى سنة 1978، ظل حجم الطلبة الجامعيين الفلسطينيين في مصر يدور حول العشرين ألف طالب . و بعد" مبادرة السادات" أخذت مظلة التسهيلات تنحسر عن الفلسطينيين، خاصة مع كل توتر جديد بين قيادة منظمة التحرير و الحكم في مصر.

وأخذ عدد الطلبه الفلسطينيين في الانحسار التدريجي، مع فرض الرسوم الباهظه، بالعملة الصعبة على التعليم الجامعي للفلسطينين في مصر؛ فضلا عن صدور قرارات حكومية مصرية تحظر على الطلية الفلسطينيين الالتحاق بكليات الطب، والصيدلة، والاقتصاد والعلوم السياسيه، والاعلام. حتى هبط عدد الطلبه الفلسطينيين في المعاهد والكليات سنة 1985، بـ 4500 طالب ؛ مقابل 1650 طالبا في المراحل الاعداديه و الثانويه و التعليمين الزراعي والصناعي. و يكلف الطلاب الجامعيون من قطاع غزة قرابة المليون ونصف المليون جنية سنويا، بواقع مئة جنية للطالب في الكليات العمليه، وخمسين جنيها في الكليات النظريه، بينما تبلغ تكلفة الطلاب في مراحل التعليم العام حوالي مئتي ألف جنيه سنويا.

و لم تتعد نسبة الاميه 16% (15,7%) و ترتفع الى 28,4% بين الاناث، و تنخفض الى 7,6% بين الذكور ( للسكان عشر سنوات فأكثر). و تقل الاميه بين فئات السن الشابه والصغيرة . حيث كان سنة 1985، 18,3% يقرأون و يكتبون دون مؤهل، و11,7% يحملون الشهادة الابتدائيه، و9,2% مؤهل أقل من متوسط، و36,9% مؤهل متوسط، و0,4% فوق المتوسط وما دون الجامعي، و5,6 % الدرجة الجامعيه الاولى، و0,1% دبلوم عالي، و0,2% ماجستير، و 0,1% دكتوراه. ورغم تواضع هذه النسب الا انها ذات دلاله هامة، حيث ان بين كل الف فلسطيني تتعدى أعمارهم العشر سنوات 56 شخصا يحملون الشهادة الجامعيه الاولى، وشخص واحد يحمل الدبلوم العالي و2 يحملون شهادة الماجستير، وواحد شهادة دكتوراه . أي انه بين كل ألف فلسطيني أعمارهم 20 سنة فأكثر هناك 84 شخصا يحملون شهادة جامعية فأكثر.

التقطت صحيفه معارضه مصريه معاناة 24,600 طالب فلسطيني يعيشون في مصر. فبعد ان ظل الطلبه الفلسطينيون يحصلون على التعليم، لقرابة ثلاثين سنة متصله (1948-1978)، دون مطالبتهم برسوم اضافيه، مثلهم مثل المصريين، تماماً، حملت سنة 1978 مفاجأه غير ساره لهم، اذا أصبحوا مطالبين بدفع رسوم دراسية باعتبارهم "أجانب". في البداية دفع طالب الكليه العلميه 450 جنيها استرلينياً، عن السنة الواحدة، قفزت الى 3,000 بحلول التسعينيات. و بلغ عددهم 22 الفا في التعليم الاساسي والثانوي، و 260 طالب في التعليم الجامعي، "مع أنهم مثل الجميع على ارض مصر، بالكاد يحصلون على العملة ( السهلة)، بالجنية المصري. البداية كانت بموجب القرار الوزاري رقم 162 لسنة 1989، الذي ألزم الطالب الفلسطيني بدفع 120 جنيها، في الابتدائي، و160 في الاعدادي، و250 في الثانوي، و420 في المعاهد الصناعية و380 في دبلوم الزراعه، و300 في دبلوم التجاره، و300 في معاهد المعلمين والمعلمات، فضلا عن 150 دولاراً امريكيا لاستخراج الشهادة . وفي سنة 1991 ارتفعت الرسوم بنسبة 20% في الجامعة بدت المعاناة أكثر عمقا، فالرسوم المطلوبة 2,000 جنيه استرليني للسنة الاولى، في الكليات النظريه؛ و 1,000 جنية استرليني لكل سنة من السنوات التاليه، فيما ترتفع التكلفة في الكليات العلميه لتصبح 3,000 جنيه استرليني في السنوات الاولى، و1,500 جنية استرليني لكل من السنوات التاليه. اما تكلفة الدراسات العليا، فتبلغ ضعف هذا المبلغ. مما جعل الحرمان من التعليم في انتظار الفلسطيني في مصر، اذا ما عجز عن الدفع، حيث يتم-أولا - حرمانة من اداء الامتحان، واعتبار السنة سنة رسوب، بحيث اذا تكرر رسوبة، يفصل من الجامعة، أو المدرسة

الحقوق المدنية والإقامة

ارتبطت معاملة الفلسطينيين في مصر بالشأن السياسي، ارتباطاً حميماً. فقد شهدوا عصرهم الذهبي في ظل الحكم الناصري الراديكالي ذو الخطاب القومي العربي؛ على انه ما أن اتجه السادات الى الغرب، بقوة، حتى بدأت معاملة الفلسطينيين في مصر تنحو منحى آخر، آخذاً في التدهور المطرد.

بعد ثورة 23 يوليو / تموز 1952 تزايد الاهتمام باللاجئين الفلسطينيين عموماً وفي مصر على وجة الخصوص. حيث استهلت اللجنة العليا اعمالها، بعد إعادة تشكيلها بعملية حصر شامل للفلسطينين في مصر، مستعينة بمصلحة الجوازات، وبالامانة العامة لجامعة الدول العربية، وبحكومة عموم فلسطين. وبسبب من التضارب البين بين احصائيات هذه المؤسسات الثلاث، عمدت اللجنة الى اعتماد واحصائيات مصلحة الجوازات . ثم قسمت اللجنة مجموع الاسر الفلسطينيه الى خمسة اقسام، مستخدمة في ذلك متغير الدخل فالاسر (أ) ذات دخول مرتفعة، نسبيا( أكثر من عشرة جنيهات مصرية، شهريا للفرد الواحد، و شمل هذا القسم اسرتين فقط. و رؤى أن مثل هاتين الاسرتين بامكانهما مساعدة غيرهما من الاسر. أما الاسر(ب) فمكتفية ذاتياً، و يتراوح الدخل الشهري للفرد فيها ما بين جنية و نصف و عشرة جنيهات. و شمل هذا القسم تسعين اسرة. فيما افتقرت الاسر (ج) الى الدخول الثابتة، و ان امتلكت قدرات يمكن استغلالها، اقتصادياً، و شملت 72 اسرة . و قد صنف العاجزون، ذوي الدخول الشهرية التي تقل عن جنية و نصف ضمن القسم (د)، و ضمت 114 اسرة. و بقي الراغبون في السفر النهائي الى قطاع غزة اوإلى أي قطر عربي، و لا يملكون مصاريف السفر، و هؤلاء تم تصنيفهم ضمن القسم (هـ). و بقيت 214 أسرة دون استيفاء المعلومات عنها. و قد تقرر صرف ثلاثين جنيها مصرياً، حداً أقصى، للاسرة الواحدة. وأفاد هذا الامر 132 اسرة من القسم (ج)، فيما اشتريت اربعون ماكينة خياطة، توزعت على الاربعين اسرة الباقية. و تقرر صرف اعانات مالية شهرية للاسر في القسم (د). عن الاعانات الطارئة، من حالات الوضع والوفاه ( بحد اقصى قدرة خمسة جنيهات)، وخفضت مصاريف العلاج لهذا القسم، وصرفت اعانات اضافية للاسر التي يزيد عدد أفرادها عن ثمانية أفراد.

في يوم 7 اكتوبر عام 1954، عقدت اللجنة العليا اجتماعاً، حضرة ممثلون عن : جمعية الهلال الاحمر المصري؛ هيئة وكالة الاغاثة الدولية؛ اتحاد الكنائس العالمي؛ الجمعية الانجليكانيه؛ جمعية مساعدة اللاجئين الفلسطينيين . و تم التوصل الى ان يقوم اتحاد الكنائس العالمي بتقديم معونات عينيه، تكفي خمسة الاف لاجئ، كل عام ؛ ثم ارتفع الرقم الى سبعة الاف. ووزعت بطاقات التموين على ارباب الاسر؛ و بمقتضاها حصل كل فرد على حوالي 10 كيلو دقيق، نصف كيلو من السمن أو الزيت، و كيلو من الحليب المجفف. و صرفت هذه البطاقات لاكثر الاسر عوزاً ( د،ج)، ثم امتدت لتشمل بعض المنتمين للقسم (ب).

لقد أثرت أحداث نكسة يونيو / حزيران 1967، سلباً على أعمال اللجنة العليا، فانقطعت المعونات العينية الخارجية، وقد بلغت قيمتها 7,965 جنيها، شهرياً أي بمعدل 95,580 جنيهاً، سنوياً، كانت توزع على 1,417 اسرة، تضم 8,017 فرداً، منتشرين في محافظات مصر. كما أن الاعتماد المالي للجنة قد تجمد عند حد لا يتجاوزه وهو، ألف جنية، سنوياً. مما استتبع وقف الاعانات عن مستحقيها، بضعة اشهر.

استمرت أوضاع الفلسطينيين في مصر على حالها، طوال حكم عبد الناصر، وفي السنوات الخمس الاولى من حكم السادات.

وفي يوليو 1978، صدر قراري رئيس الجمهورية، رقمي 47 و48 لسنة 1978، بالغاء القرارات التي كانت تعامل الفلسطينيين معاملة المصريين كما حظرت وزارة القوى العاملة اشتغال الاجانب- وبضمنهم الفلسطينيين- في الاعمال التجاريه، والاستيراد والتصدير، الا لمن كان متزوجا بمصرية، منذ اكثر من خمس سنوات .

ثم جاء قرار مجلس جامعة الدول العربيه رقم 462، في 23-9-1952، الذي سمح للفلسطينين بحق العمل والاستخدام في الاقطار العربية، اسوة بمواطني هذة الاقطار مما أتاح تشغيلهم في مصر بعد طول منع. وأجاز القانون المصري رقم 66 لسنة 1962 الذي (صدر في 10 مارس 1962 ) تشغيل الفلسطينيين في وظائف الدولة والمؤسسات العامة في مصر. كما استثنى هذا القانون الاطباء والمهندسيين والصيادلة منهم من القانونين 415 و416 لسنة 1954، الذي يحظر عمل الاجانب في البلاد.

تبعه وزير العمل المصري، الذي أصدر قراراً وزاريا، في 10 مايو 1963، اعفى بموجبة الفلسطيني من الحصول على ترخيص عمل. و عزز رئيس الجمهورية قرارة الاول فأصدر، في فبراير/شباط 1964، قراراً بقانون، رقم 46، لسنة 1964، بشأن نظام العاملين المدنيين في الدولة أكد فية على ضرورة استثناء الفلسطينيين من صفة " الاجانب".